"الوساطة لتسوية النزاعات".. عودة لواجهة الجدل النيابي والمهني
في سياق سعي الحكومة لتبني بدائل عن التقاضي التقليدي، سعيا لتخفيف الضغط على المحاكم، وتسريع الفصل في النزاعات، عاد ملف مشروع قانون الوساطة، لتسوية النزاعات المدنية إلى واجهة الجدل النيابي والمهني، بعد تأكيدات تفيد بأن مشروع القانون الذي يعد قيد النقاش منذ عام 2019، وما يزال متوقفاً منذ استرداده من الحكومة في آب (أغسطس) العام الماضي، من دون إعادته حتى الآن إلى مجلس النواب بصيغة معدّلة، برغم الإعلان عن نية تطويره وتحديثه.
ويعكس هذا التوقف، حجم الخلافات التي رافقت مشروع القانون خلال دورات برلمانية متعاقبة، إذ واجه تحفظات واسعة من قطاعات مهنية، في مقدمتها قطاع المحامين، على خلفية ما تضمنه من توسيع لنطاق الوساطة على حساب الاختصاص القضائي، وسحب قضايا رئيسة من المحاكم، خصوصا في مجالات: العمل والمالكين والمستأجرين والتأمين والبنوك.
كما أثار المشروع جدلًا إضافيًا بشأن إنشاء غرف وساطة في غرف التجارة، وما قد يترتب على ذلك من مساس بمبدأ حيادية القضاء، ومنح القاضي سلطة تقديرية واسعة بإحالة القضايا للوساطة دون إلزام بوجود محامٍ.
وعقب هذا الجدل، استردت الحكومة المشروع، بدافع مراجعته وتطويره، بما ينسجم مع ما أفرزه تطبيق الوساطة السنوات الماضية من مستجدات، وبما يتواءم مع استراتيجية قطاع العدالة للأعوام 2022–2026، التي تضع تطوير وتفعيل الوساطة القضائية ضمن أولوياتها. ويُشار هنا إلى أن قانون الوساطة لسنة 2006 ما يزال الإطار القانوني المطبق حاليًا.
وبحسب نائب رئيس اللجنة القانونية النيابية النائب محمد بني ملحم، فإن مشروع القانون كان محل جدل واسع خلال دورات برلمانية، وواجه تحفظات كبيرة من عدة جهات، لا سيما قطاع المحامين، إذ إن إقراره بصيغته السابقة، كان يعني سحب 4 اختصاصات رئيسة من المحاكم، وإحالتها إلى الوساطة بوصفها أسلوبًا بديلًا لحل النزاعات.
وأوضح بني ملحم، أن القضايا التي شملها المشروع على نحو أساسي، تتمثل بقضايا العمل والمالكين والمستأجرين، وقطاع التأمين، وقضايا متعلقة بالبنوك، مبينًا بأن النسبة الأكبر من القضايا التي يعمل عليها المحامون في المحاكم، تتركز في هذه القطاعات، ما سيؤثر على شريحة واسعة من المحامين.
وأشار بني ملحم، إلى أن مشروع القانون، تضمّن أيضًا إنشاء غرف وساطة داخل غرف التجارة والصناعة، ما أثار تحفظات إضافية، انطلاقًا من مبدأ أن التقاضي، يجب أن يكون بعيدًا عن أطراف النزاع، وأن وجود الوساطة ضمن هذه الغرف، قد يؤثر على حيادية القضاء. مضيفا أن هذه التحفظات وغيرها، دفعت الحكومة في نهاية المطاف لاسترداد المشروع، مؤكدا وجود توجه حالي لإعادته بصيغة جديدة تراعي الملاحظات المطروحة.
من جهته، اتفق النائب وعضو اللجنة القانونية بمجلس النواب ناصر النواصرة مع هذه الطروحات، مؤكدًا أن سحب المشروع جاء نتيجة ملاحظات جوهرية أبدتها اللجنة القانونية السابقة، من أبرزها أن غالبية القضايا التي يشملها القانون، كانت ستُسحب من المحاكم، بما ينعكس على نحو مباشر على قطاع المحامين.
كما أشار إلى أن إنشاء غرف وساطة في غرف التجارة، قد يؤثر على حيادية القضاء، لكون الوساطة تُعد شكلًا من أشكال القضاء البديل، بخاصة في ظل عدم إلزام مشروع القانون بوجود محامٍ خلال إجراءات الوساطة.
وبيّن النواصرة بأن المشروع كان يمنح القاضي سلطة تقديرية واسعة بإحالة القضايا للوساطة، ما أثار مخاوف من إحالة عدد كبير من القضايا المدنية إلى هذا المسار، خصوصًا في ظل تشعب وتعقيد القضايا المدنية. مؤكدا وجود نية لدى الحكومة لإعادة النظر في المشروع بعد استرداده، تمهيدًا لإعادته بصيغة معدّلة أكثر توافقًا مع ملاحظات الجهات المعنية.
وكانت الحكومة استردت المشروع في آب (أغسطس) الماضي، الذي سبق وأرسلته لمجلس النواب في 2019، مبررة ذلك بالحاجة لمواكبة المستجدات التي طرأت منذ ذلك الوقت، عبر التطبيق العملي، والتي تتطلب إدخال تعديلات جديدة عليه لزيادة حالات تسوية النزاع وديًا وتفعيل الوساطة الخاصة، بالإضافة لمواءمته لاستراتيجية قطاع العدالة التي أُطلقت بالشراكة بين وزارة العدل والمجلس القضائي للأعوام 2022–2026.
وكانت اللجنة القانونية في "النواب" الدورة الماضية، عقدت عدة اجتماعات مطلع العام الماضي لمناقشة المشروع، بحضور وزير العدل، وأمين عام المجلس القضائي، ونقيب المحامين، ورئيس مجلس إدارة الاتحاد الأردني لشركات التأمين، وممثلين عن غرف الصناعة والتجارة والبنك المركزي، وخبراء في القانون، وذلك بعد طلب منها لعقد اجتماع مع "العدل" والمعنيين لمناقشة المشروع.
ولم تتمكن "الغد" من الحصول على أي توضيح من "العدل" حول نيتها لعمل قانون جديد، أو إجراء تعديلات على مشروع القانون القديم، لكن الموقع الإلكتروني للوزارة يشير إلى أن الوساطة، أسلوب من أساليب الحلول البديلة لفض النزاعات المدنية التي تبناها الأردن انسجامًا مع توجهات استراتيجية تطوير القضاء الأردني للأعوام (2004–2006)، بهدف اختصار الوقت والجهد والنفقات، وللمساهمة بخلق بيئة استثمارية جاذبة ومنافسة.
وبحسب الموقع، فقد افتتحت رسميًا أول إدارة للوساطة في محكمة بداية عمان بتاريخ في منتصف 2006، كخطوة أولى لاستحداث إدارات مماثلة في بقية محاكم المملكة، تنفيذا لقانون الوساطة لتسوية النزاعات المدنية رقم (12) لسنة 2006.
ويقوم مبدأ الوساطة على تدخل شخص محايد من أصحاب الخبرة والكفاءة والنزاهة، لتوظيف مهاراته في إدارة المفاوضات، وعبر إجراءات سرية، لمساعدة أطراف النزاع على تقريب وجهات نظرهم وتسوية نزاعاتهم وديًا، بعيدًا عن إجراءات التقاضي.
ويشير الموقع، إلى أن الوساطة تنقسم إلى 3 أنواع، هي: "القضائية"، ويتولاها قضاة البداية والصلح الذين يختارهم رئيس محكمة البداية، ويُطلق عليهم اسم "قضاة الوساطة". و"الخاصة"، وتجري عبر قضاة متقاعدين ومحامين ومهنيين من ذوي الاختصاص يُسمّون "وسطاء خصوصيين". و"الاتفاقية" التي تجري عبر وسيط يتفق عليه أطراف النزاع.
وتنص المادة (2) من القانون المطبق حالياً في الفقرة (أ): "تحدث في مقر محكمة البداية إدارة قضائية تسمى (إدارة الوساطة)، وتتشكل من عدد من قضاة البداية والصلح يسمون (قضاة الوساطة)، يختارهم رئيس محكمة البداية للمدة التي يحددها، ويختار من بين موظفي المحكمة العدد اللازم لهذه الإدارة".
وجاء في المادة (3) من القانون على "أن لقاضي إدارة الدعوى أو قاضي الصلح، وبعد الاجتماع بالخصوم أو وكلائهم القانونيين، إحالة النزاع بناء على طلب أطراف الدعوى أو بعد موافقتهم، إلى قاضي الوساطة، أو لوسيط خاص لتسوية النزاع وديا، وفي جميـع الأحوال يراعي القاضي عند تسمية الوسيط اتفاق الطرفين ما أمكن".
كما أنه في الفقرة (ب) من المادة نفسها، يحق "لأطراف الدعوى، بموافقة قاضي إدارة الدعوى أو قاضي الصلح، الاتفاق على حل النزاع بالوساطة، وذلك بإحالته إلى أي شخص يرونه مناسبا، وفي هذه الحالة يحدد الوسيط أتعابه بالاتفاق مع أطراف النزاع، وفي حال تسوية النزاع وديا يسترد المدعي الرسوم القضائية التي دفعها".
ونصت المادة (4) من القانون أنّه: (أ) عند إحالة النزاع إلى قاضي الوساطة، يحال إليه ملف الدعوى، وله تكليف الأطراف بتقديم مذكرات موجزة بادعائهم أو دفاعهم. (ب) عند إحالة النزاع إلى وسيط خاص، يقدم إليه كل طرف من أطراف النزاع خلال مدة لا تتجاوز خمسة عشر يوما من تاريخ الإحالة، مذكرة موجزة، تتضمن ملخصا لادعاءاته أو دفوعه، مرفقا بها المستندات التي يستند إليها، ولا يتم تبادل هذه المذكرات والمستندات بين أطراف النزاع".
كما نصت المادة (6) من القانون على "أن يقوم الوسيط بتحديد موعد كل جلسة، ويبلغ أطراف النزاع أو وكلائهم بموعدها ومكان انعقادها، ويجتمع بأطراف النزاع ووكلائهم، ويتداول معهم موضوع النزاع وطلباتهم ودفوعهم، وله الانفراد بكل طرف على حدة، ويتخذ ما يراه مناسبا لتقريب وجهات النظر بهدف الوصول إلى حل ودي للنزاع، ويجوز له لهذه الغاية، إبداء رأيه وتقويم الأدلة وعرض الأسانيد القانونية والسوابق القضائية، وغيرها من الإجراءات التي تسهل أعمال الوساطة". الغد


















































