الإسكوا: الأردن يمتلك فرصة لتحويل التحديات المالية إلى محركات للنمو
أصدرت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) مذكرة فنية حديثة تسلط الضوء على "على أداة النمذجة والتنبؤ المالي الكلي" (MFMF) المخصصة للأردن.
وتكشف الورقة وفق يومية الغد، عن رؤية بديلة للسياسات المالية التقليدية، مؤكدة أن تبني إستراتيجية "استقرار الدين" بدلا من "الخفض القسري" له يمكن أن يفتح آفاقا رحبة للنمو الاقتصادي المستدام ويدعم "رؤية التحديث الاقتصادي" للمملكة.
وتبين الورقة أن الأردن يمتلك فرصة حقيقية لتحويل التحديات المالية إلى محركات نمو، وأن استخدام أداة (MFMF) يمنح صانعي القرار في عمّان القدرة على رؤية التأثيرات طويلة المدى لقراراتهم.
وأكدت أن الاستثمار في الإنسان الأردني هو الضمانة الأكيدة لتحقيق التنمية المستدامة والوصول إلى أهداف الرؤية الاقتصادية 2030.
وتتمثل السمات الرئيسة لأداة النمذجة بأنها نموذج اقتصادي قياسي كلي هيكلي، يتكون من ما يقارب 80 معادلة، بما في ذلك ما يقارب 20 علاقة سلوكية رئيسة.
ويتم تقدير النموذج على مرحلتين، الأولى على المدى الطويل ويُتّبع خلالها إطار عمل كلاسيكي جديد لجانب العرض، أما الثانية فعلى المدى القصير فيتم فيها الاعتماد بشكل أساسي على ديناميكيات الطلب الكينزية.
كما يتضمن النموذج توقعات استرجاعية (متغيرات تابعة متأخرة)، إضافة إلى قواعد سياسية (نقدية ومالية)، تحاكي تطور السياسات في العالم الحقيقي.
وأشارت الورقة إلى أنه تم تعديل النموذج ليناسب الظروف الخاصة بالأردن من خلال إضافة هيكل موسع للحكومة وقطاع الدين العام، وجانب عرض أكثر اكتمالا على المدى الطويل.
وبالتالي، يسمح بتحليل التدابير السياسية الخاصة بالأردن، مثل الإنفاق الاجتماعي، على المدى القصير والطويل.
ولفتت الورقة إلى أنه على مدى العقد الماضي، تأثر الاقتصاد الأردني بشكل كبير بسلسلة من الصدمات الخارجية والقيود الهيكلية، وأدى عدم الاستقرار الإقليمي، ولا سيما الأزمة السورية، إلى تدفق كبير للاجئين، مما شكل ضغطا هائلا على الخدمات العامة والبنية التحتية والموارد المالية، مما زاد من حدة هذه الضغوط اضطرابات إمدادات الطاقة، وجائحة كوفيد-19، وتحديات سلاسل التوريد العالمية، وكلها عوامل حدت بشدة من النشاط الاقتصادي وآفاق التعافي.
وأوضح التقرير أنه خلال الفترة الواقعة بين عامي 2010 و2022، سجل الاقتصاد الأردني متوسط معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2.2 % فقط، وهو أقل بكثير من المتوسط البالغ 4.3 % المسجل بين الدول متوسطة الدخل، حيث ساهمت بيئة النمو المحدودة، إضافة إلى انخفاض تعبئة الإيرادات، في العجز المالي المزمن للاقتصاد الوطني خلال هذه الفترة.
السيناريوهات
أظهرت الورقة أن محاكاة تحليل نموذج أداة MFMF للأردن كشفت عن ثلاثة سيناريوهات أساسية، وتبنى هذه السيناريوهات على حالة "استمرار الوضع الراهن" لتكون بمثابة نقطة مرجعية للمقارنات.
وتتضمن هذه السيناريوهات متغيرات خارجية (مثل أسعار النفط، والسكان، والطلب على الصادرات الأردنية). بالنسبة لهذه المتغيرات، هناك حاجة إلى تنبؤات موثوقة؛ في هذا النموذج، يتم استخدام توقعات الأمم المتحدة للسكان في العالم وتوقعات السكان وتوقعات إدارة معلومات الطاقة وتوقعات أسعار النفط المستقبلية.
وجاء تحليل هذه السيناريوهات على النحو التالي: السيناريو الأول المتعلق باستقرار الدين، يحدد النموذج هدفا محددا لنسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، ولتحقيق هذا الهدف خلال السنوات العشر القادمة (2025-2035)، يتم تعديل الإنفاق الحكومي حسب الحاجة في هذا السيناريو؛ فبدلا من خفض الدين إلى 70 % في عام 2035، يتم تثبيت الدين عند ما يقارب 85 % من الناتج المحلي الإجمالي.
وتظهر محاكاة السياسة، التي تشير إلى تثبيت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي على المدى المتوسط بدلا من خفضها وفقا للخطة الأساسية، إمكانية توفير 12.5 مليار دينار أردني كحيز مالي إضافي للإنفاق العام خلال الفترة 2025-2035.
وإذا ما اقترن ذلك بزيادة في تحصيل الضرائب بنسبة 1 % من الناتج المحلي الإجمالي، فإن الحيز المالي للإنفاق العام يرتفع إلى 19.7 مليار دينار أردني (بزيادة قدرها 3.4 % تقريبا من الناتج المحلي الإجمالي خلال تلك الفترة)؛ تؤدي هذه الصدمة في الطلب إلى زيادة تراكمية في الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة 2025-2035 بقيمة 13 مليار دينار أردني (بأسعار 2015).
أما السيناريو الثاني المتعلق بتحسين الحيز المالي، فيستكمل استقرار الدين بـ 0.5 % إضافية من الناتج المحلي الإجمالي كضريبة دخل، و 0.5 % من الناتج المحلي الإجمالي كإيرادات ضريبية أخرى، معظمها ضريبة على السلع والخدمات (1 % من الناتج المحلي الإجمالي إجمالا)، ويهدف هذا السيناريو إلى محاكاة تحسين كفاءة تحصيل الضرائب وتنفيذ إصلاحات إضافية تهدف إلى تعبئة الإيرادات الضريبية.
وأشار التقرير إلى أن تراكم رأس المال الذي ساهم في نمو الإنتاجية على المدى الطويل، في سيناريو الحيز المالي المحسن، يتم دعم استقرار الدين بنسبة 0.5 % من الناتج المحلي الإجمالي كضريبة دخل إضافية و0.5 % من الناتج المحلي الإجمالي كإيرادات ضريبية أخرى، يكون التأثير على الناتج المحلي الإجمالي شبه معدوم. وبالانتقال إلى السيناريو الثالث المتعلق بالاستثمار في الإنفاق الاجتماعي، يتبنى تخصيص إيرادات إضافية للإنفاق الاجتماعي الإنتاجي، مما يؤدي بدوره إلى رفع إنتاجية عوامل الإنتاج الكلية بنسبة 4 % بحلول عام 2035 مقارنة بالوضع الأساسي، ويعادل هذا زيادة سنوية متوسطة بنسبة 0.4 نقطة مئوية في نمو إنتاجية عوامل الإنتاج الكلية خلال الفترة 2025-2035.
وبالنظر إلى أن متوسط نمو الإنتاجية الكلية العالمية على المدى الطويل يتراوح بين 1 و1.5 %، فإن تحقيق زيادة إضافية قدرها 0.4 نقطة مئوية يعد هدفا طموحا ولكنه قابل للتحقيق.
ولفتت الورقة إلى أنه رغم أن الاستثمار الإضافي في الإنفاق الاجتماعي الإنتاجي لا يحقق فوائد إضافية للناتج المحلي الإجمالي في السنوات الأولى، إلا أنه على المدى الطويل، يؤدي ارتفاع مستوى إنتاجية عوامل الإنتاج الكلية إلى زيادة القدرة الإنتاجية، بحيث يكون الناتج المحلي الإجمالي أعلى بشكل دائم من الوضع الأساسي بنسبة 2.3 %، وهو ما يترجم إلى أكثر من مليار دينار أردني (بأسعار عام 2015) في المتوسط خلال الفترة 2025-2035.
وعلى مدار الفترة المحللة بأكملها، يكون الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في سيناريو الاستثمار في الإنفاق الاجتماعي أعلى بما يقارب 10 مليارات دينار أردني مع استقرار سعر صرف الدينار الأردني مقابل الدولار الأميركي.
النتائج.. التأثير على مؤشرات الاقتصاد الكلي
وبينت الورقة أنه في جميع السيناريوهات الثلاثة، يبقى التضخم عند ما يقارب 2.7 % سنويا حتى عام 2030، ثم ينخفض إلى 2 % في عام 2035 إذا استُثمِرت الموارد الإضافية في نفقات اجتماعية إنتاجية، ويكون التضخم أقل من السيناريو الأساسي؛ حيث تترجم هذه الموارد إلى إنتاجية أعلى، ويؤثر الإنفاق المالي الإضافي على كل من الاستهلاك الخاص والاستثمار.
فبينما يكون التأثير على الاستهلاك الخاص من حيث الانحراف عن الخط الأساسي معتدلا، مع زيادة تقارب 1.6 % في عام 2026 في جميع السيناريوهات الثلاثة. وبحسب التقرير، من المتوقع أن يكون لصدمة الطلب الناتجة عن ارتفاع العجز المالي وزيادة الإيرادات الضريبية تأثير كبير على التجارة الدولية في نموذج WEFM الموسع لبلد واحد للأردن؛ يعتبر طلب التصدير متغيرا خارجيا، وهو يحدد صادرات البلاد على المدى الطويل، لذا ما لم يحدث تحسن في الإنتاجية، فلن يكون هناك تأثير على الصادرات على المدى الطويل.
في نموذج الاقتصاد المفتوح الصغير، تكون أسعار السلع المستوردة ثابتة، مما يعني أنها لا تعتمد على كمية الواردات، ونظرا لأن قدرة الاقتصاد جامدة نسبيا على المدى القصير، فبحلول عام 2026، ستزداد أحجام الواردات بنسبة 4.2 % في سيناريو استقرار الدين، و5.4% في السيناريوهات الأخرى. ومع ذلك، يتلاشى هذا التأثير الأولي بسرعة، وبحلول عام 2035، ستكون الواردات أعلى من سيناريو خط الأساس بنحو 2 % في جميع السيناريوهات الثلاثة.
وفي هذا النموذج، يكون تأثير السياسات على الصادرات على المدى المتوسط ضئيلا، إذ يقل عن 0.2 %، وذلك وفقا لافتراض ثبات الطلب العالمي وعدم تغير الأسعار تقريبا. ومع ذلك، ففي حين يكون التأثير سلبيا خلال فترة التوقعات في سيناريوهات استقرار الدين وتحسين الحيز المالي، نظرا للزيادة المعتدلة في ضغوط الأسعار، فإن الاستثمار الاجتماعي الإنتاجي في سيناريو الاستثمار في الإنفاق الاجتماعي يسمح بزيادة القدرة التنافسية وارتفاع الصادرات فوق المستوى الأساسي بدءا من عام 2030.
الأثر على ميزانية الحكومة والدين
وحول الأثر على ميزانية الحكومة والدين ومدفوعات الفائدة في حال تم العمل بهذه الافتراضات، يوضح التقرير أنه مع أهمية فهم أثر السيناريوهات الثلاثة المحاكاة على الاقتصاد ككل، فإن آثارها على ميزانية الحكومة تمثل الاهتمام الرئيسي لصناع السياسات.
ووفقا للورقة، يوفر استقرار الدين وحده دفعة كبيرة للإنفاق الحكومي، تعادل 11.3 % من المستوى الأساسي أو 1.3 مليار دينار أردني في عام 2025.
ومع ذلك، إذا أضيفت إيرادات إضافية بنسبة 1 % في سيناريو تحسين الحيز المالي، فإن هذه الأرقام ترتفع إلى 15.4 % أو 1.8 مليار دينار أردني.
خلال السنوات اللاحقة حتى عام 2035، تنخفض هذه الأرقام نسبيا إلى 4.9 % من القيمة الأساسية في سيناريو استقرار الدين، و9 % من القيمة الأساسية في سيناريو تحسين الحيز المالي والاستثمار في الإنفاق الاجتماعي، ولكنها تبقى بالقيمة المطلقة أعلى بقليل من مليار دينار أردني و1.8 مليار دينار أردني على التوالي.
وبالتالي، يبلغ إجمالي النفقات الإضافية بالقيمة الاسمية خلال الفترة 2035-2025 نحو 12.5 مليار دينار أردني في سيناريو استقرار الدين، وأكثر من 19 مليار دينار أردني في سيناريو تحسين الحيز المالي والاستثمار في الإنفاق الاجتماعي. ويعاد جزء من هذه النفقات الإضافية إلى الحكومة من خلال زيادة الإيرادات الضريبية؛ ففي سيناريو استقرار الدين، تزيد إيرادات الحكومة الإجمالية بنحو 200 مليون دينار أردني عن خط الأساس سنويا (أو 2.2 مليار دينار أردني خلال الفترة 2035-2025). أما في سيناريو تحسين الحيز المالي، فتزداد الإيرادات الإضافية الناتجة عن التحفيز المالي تدريجيا من 630 مليون دينار أردني في عام 2025 إلى 952 مليونا في عام 2035، لتتجاوز 9 مليارات دينار أردني خلال فترة التوقعات، وتكون أقل قليلا في سيناريو الاستثمار في الإنفاق الاجتماعي مقارنة بسيناريو تحسين الحيز المالي بسبب انخفاض طفيف في التضخم.
وبخصوص العجز الأولي والدين كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي، يبقيان متساويين تقريبا في جميع السيناريوهات الثلاثة، حيث إن الفائض الأولي يُحافظ عليه بين 0 و1 % في السيناريوهات بدلا من 1-2 % من الناتج المحلي الإجمالي في السيناريو الأساسي، بحيث لا يساهم في تراكم الدين، بل يسمح بالحفاظ عليه عند مستوى مستقر نسبيا.
















































