سيناريو "انتصار إيران".. تداعيات محتملة على اتفاقيات السلام والصراع الإقليمي
في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتزايد الحديث عن احتمالات اتساع رقعة الصراع في المنطقة، يطرح عدد من الباحثين والمحللين تساؤلات حول شكل المنطقة إذا ما انتهت المواجهات الحالية بتعزيز موقع إيران الإقليمي.
وتدور هذه النقاشات، حول ما إذا كان مثل هذا السيناريو سيقود إلى تحولات استراتيجية عميقة في موازين القوى، ليس فقط على مستوى الدول، بل أيضا على مستوى التحالفات والفاعلين غير الحكوميين الذين أصبحوا جزءا أساسيا من معادلة الصراع في المنطقة.
وعلى الرغم من أن المنطقة تشهد منذ سنوات توترا مستمرا، تتداخل فيه ملفات الصراع العربي- الاحتلال الصهيوني مع العلاقات المعقدة بين دول الخليج وإيران، لكن هذه التوازنات الإقليمية تجعل أي حديث عن تطبيع العلاقات مع كيان الاحتلال مرتبطا على نحو مباشر بمصير القضية الفلسطينية وبمستقبل العلاقة مع طهران، بخاصة في ظل الحروب والأزمات الاقتصادية التي تعصف بالمنطقة.
الاستنزاف يطيل أمد الصراع
وفي هذا السياق، يرى الخبير الأمني والإستراتيجي الدكتور عمر الرداد، بأن فرضية خروج إيران منتصرة من المواجهة الدائرة قد تقود إلى تغييرات إستراتيجية واسعة في بنية النظام الإقليمي.
وأشار إلى أن أبرز ملامح هذه التحولات، قد تتمثل بتعزيز النفوذ الإيراني وترسيخ حضورها الأيديولوجي والسياسي في المنطقة، بما يتجاوز كونها مجرد قوة إقليمية تقليدية، لتتحول إلى لاعب أكثر تأثيرا في رسم معادلات الأمن والاستقرار بالمنطقة.
ويعتقد الرداد بأن مثل هذا السيناريو، قد يفرض واقعا جديدا على دول الجوار، ولا سيما دول الخليج، التي قد تجد نفسها أمام خيارين أساسيين: إما بناء تحالفات إقليمية جديدة لموازنة النفوذ الإيراني، أو انتهاج سياسة تقارب حذر مع طهران، لاحتواء تداعيات قوتها المتصاعدة والتقليل من مخاطر التهديدات الأمنية والعسكرية المحتملة. مضيفا أن هذا الواقع قد يفتح مجالات محدودة للتعاون مع إيران بوصفها قوة إقليمية أكثر حضورا وتأثيرا في الملفات الإقليمية.
أما على صعيد الساحات التي تشهد نفوذا لإيران أو لحلفائها كالعراق وسورية ولبنان واليمن، فرجح الرداد بأن يؤدي هذا السيناريو، لترسيخ نفوذ ما يُعرف بمحور المقاومة. مشيرا إلى أن القوى المرتبطة بهذا المحور، قد تتحول إلى فاعلين أكثر تأثيرا داخل الدول التي تنشط فيها، بما قد ينعكس على موازين السلطة الداخلية في تلك البلدان.
وفي هذا الإطار، قد يزداد حضور بعض هذه القوى في المشهد السياسي والأمني، وهو ما قد يترجم في صورة نفوذ أوسع داخل مؤسسات الدولة أو في المجالين العسكري والسياسي، متوقعا بأن يؤدي هذا التحول المفترض إلى تراجع ملموس في مستوى النفوذ الغربي في المنطقة، بما في ذلك الدور العسكري والسياسي الذي تمارسه القوى الغربية عبر قواعدها وتحالفاتها التقليدية مع عدد من دول الشرق الأوسط.
وبين أن مثل هذا التراجع قد ينعكس على طبيعة العلاقات الاستراتيجية القائمة حاليا، وقد يفتح الباب أمام إعادة صياغة شبكة التحالفات الإقليمية والدولية. لافتا إلى أن الاحتلال قد يجد نفسه في وضع أكثر تعقيدا إذا ما تحقق هذا السيناريو، إذ قد يواجه تحديات إستراتيجية متزايدة في ظل تنامي نفوذ إيران الإقليمي.
وأشار الرداد إلى أن الصراع بين الطرفين يُقدم من قبل كل منهما بوصفه وجوديا، ما قد يدفع الكيان لتكثيف جهوده العسكرية والسياسية لمنع تحقق تفوق إيراني في المنطقة. وقد يشمل ذلك، مواجهة النفوذ الإيراني سواء بشكل مباشر أو عبر استهداف حلفائها في الإقليم.
ولفت إلى أن مسارات التطبيع في المنطقة، قد تتأثر بشكل واضح في حال تحقق هذا السيناريو. فبينما قد لا تقدم دول عربية ترتبط باتفاقيات سلام مع الاحتلال على إلغاء هذه الاتفاقيات، كالأردن ومصر، فإن فرص توسيع دائرة التطبيع مع دول عربية أو إسلامية أخرى، قد تتراجع بشكل ملحوظ.
وأكد أن تعاظم الدور الإيراني في المنطقة قد يفرض معادلات سياسية جديدة تجعل أي خطوات إضافية في هذا الاتجاه أكثر تعقيدا. مشددا على أن تحقق مثل هذه الفرضية حتى لو أدى إلى تعزيز الهيمنة الإيرانية في ملفات إقليمية، لا يعني بالضرورة نهاية الصراعات في المنطقة.
وتابع إن "طبيعة التوازنات الإقليمية، وتشابك القضايا المرتبطة بالصراع العربي مع الاحتلال، الى جانب القضية الفلسطينية، تشير إلى أن المنطقة قد تظل عرضة لموجات جديدة من التوتر وعدم الاستقرار".
موضحا بأن تجربة السنوات الماضية تظهر بأن الصراعات الحديثة التي يصفها باحثون بـ"حروب ما بعد الحداثة"، نادرا ما تنتهي بانتصار حاسم لطرف واحد أو بهزيمة كاملة للطرف الآخر، وغالبا ما تفضي إلى حالة من الاستنزاف المتبادل، إذ تتعرض الأطراف المختلفة لضربات متبادلة دون أن يتمكن أي منها من فرض حسم نهائي للصراع.
وخلُص الرداد، إلى أن أي تحول كبير في موازين القوى، سواء لصالح إيران أو ضدها، قد يؤدي لإطالة أمد التوترات الإقليمية بدلا من إنهائها، مبينا "أن الدول المتضررة من صعود النفوذ الإيراني ستسعى بدورها إلى الحد من هذا النفوذ وإضعافه، ما يفتح الباب أمام جولات جديدة من الصراع السياسي والعسكري".
مسار السلام قد يتأثر بنتائج الحرب الإقليمية
من جانبه، قال رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية د. خالد شنيكات، إن فرضية انتصار إيران في هذه الحرب، إذا تحققت، قد تقود لإعادة تشكيل الخريطة السياسية في المنطقة بصورة ملحوظة. مؤكدا أن مثل هذا السيناريو لن يقتصر تأثيره على موازين القوى العسكرية حسب، بل سيمتد ليطال منظومة التحالفات الإقليمية ومسار العلاقات مع القوى الكبرى.
وأشار شنيكات، إلى أن التاريخ القريب يقدم نماذج واضحة على الحروب التي أعادت صياغة النظام الإقليمي، فـ"حرب عام 1991 على سبيل المثال، أسهمت بإعادة ترتيب المشهد السياسي والأمني في المنطقة، حيث أتاحت للولايات المتحدة توسيع حضورها العسكري عبر نشر عشرات القواعد في عدة دول، إلى جانب إبرام اتفاقيات دفاعية وأمنية طويلة الأمد". ومنذ ذلك الحين، بقيت واشنطن اللاعب الأمني الأكثر تأثيرا في المنطقة، بحيث هيمنت على إدارة التوازنات العسكرية والأمنية فيها حتى اليوم ويرى أن انتهاء الحرب الحالية بنتيجة تميل لصالح إيران قد يفتح الباب أمام مراجعات عميقة في هذا الواقع.
وتابع: "أما الدول الخليجية التي استضافت قواعد عسكرية أميركية لعقود، باعتبارها جزءا من منظومة الحماية الأمنية، فقد تجد نفسها مضطرة لإعادة تقييم جدوى هذا الوجود العسكري، بخاصة إذا تبين بأن تلك القواعد لم توفر مستوى الردع أو الحماية المتوقعين في ظل تصاعد التهديدات الإقليمية". وفي مثل هذه الحالة، قد يتحول الوجود العسكري الأجنبي من عنصر ضمان أمني إلى عبء سياسي وأمني يحتاج إلى إعادة نظر.
ولفت شنيكات، إلى أن مسار التطبيع الذي روج له الاحتلال السنوات الماضية باعتباره طريقا لتحقيق الاستقرار والازدهار في المنطقة، قد يواجه بدوره تحديات جدية، إذا استمرت الحرب بالتوسع، أو انتهت بنتائج تعاكس الرؤية التي طُرحت في إطار تلك الاتفاقيات.
مضيفا أن التطورات الميدانية الأخيرة بما في ذلك العمليات العسكرية الواسعة في قطاع غزة، والضربات التي طالت مناطق في لبنان، والتوتر المتصاعد مع إيران، تعكس واقعا مغايرا لفكرة "السلام مقابل الازدهار" التي رُوج لها في السنوات الماضية.
وأضاف أن استمرار هذه المواجهات، يثير تساؤلات حول قدرة تلك المبادرات السياسية على تحقيق الاستقرار الفعلي، بخاصة في ظل تزايد التوترات وتوسع رقعة الصراع. موضحا بأن هذه المعطيات قد تدفع دولا لإعادة تقييم مقارباتها السياسية تجاه الصراع في المنطقة.
وأشار إلى أن التطورات الجارية، تنعكس على طبيعة الصراع في الأراضي الفلسطينية، بحيث أن التوترات المتصاعدة والإجراءات الأمنية المشددة، بما في ذلك إغلاق المسجد الأقصى لفترات غير مسبوقة منذ احتلاله، تعكس حجم التحولات في المشهد الميداني والسياسي بالمنطقة، ما قد يفضي لتغيرات إضافية في طبيعة المواجهة بين الفلسطينيين والكيان الصهيوني.
أما على الساحة اللبنانية، فيرى شنيكات بأن مسار المواجهة هناك، سيبقى مرتبطا بشكل وثيق بنتائج المعركة الدائرة في الإقليم. مضيفا أن التطورات الميدانية وطبيعة المواجهة بين دولة الاحتلال وحزب الله، ستحدد إلى حد كبير شكل المرحلة المقبلة في لبنان.
وتابع: "إذا تمكن الحزب من صد التوغلات الإسرائيلية أو دفع القوات الإسرائيلية إلى التراجع شمالا، فإن ذلك قد يُعد ضربة للمخططات الإسرائيلية التي لوحت مرارا بإمكانية اجتياح لبنان ما لم يتم نزع سلاح الحزب". مشددا على أن مستقبل الاستقرار في المنطقة، بات مرهونا إلى حد كبير بمخرجات هذه المواجهة، سواء على مستوى التوازنات العسكرية أو التحالفات السياسية.
الحرب تعيد رسم أولويات المنطقة
بدوره، أكد الباحث والمحلل السياسي جهاد حرب أن العامل الحاسم بالنسبة لإيران يتمثل في قدرتها على الصمود والمناورة التفاوضية حول القضايا الجوهرية التي تسعى لتحقيقها، مع الحرص على إبقاء شبكة تحالفاتها الإقليمية فاعلة، بما يضمن استمرار الضغط والتوتر في الشرق الأوسط ويحُول دون انفراد الكيان الصهيوني بفرض رؤيته لإعادة تشكيل المنطقة وفقا لمصالحه.
ويرى حرب أن التحولات الحالية المرتبطة بالحرب وتداعياتها، ستحد من فرص المضي نحو مسار التطبيع ما لم تُطرح حلول جدية وعميقة للقضية الفلسطينية، إلى جانب معالجة العلاقة المعقدة مع إيران.
وأضاف أن التداخل الاقتصادي والجغرافي بين دول الخليج وطهران لا يحتمل استمرار النزاعات، ما يدفع بعض العواصم الخليجية إلى البحث عن تهدئة التوتر مع إيران، بدلا من التسرع في إقامة علاقات تطبيع مع دولة الاحتلال.
وأشار حرب إلى أن العديد من الخبراء يعتقدون بأن استمرار الاحتلال في نهجه الحالي سيؤدي إلى تكريس حالة التوتر الأمني، وإلى مزيد من التراجع في اقتصادات الخليج المعتمدة بشكل كبير على النفط.
ولفت إلى أن دول الخليج وعلى رأسها السعودية، لا تبدي رغبة في الانخراط المباشر في الحرب خشية أن يُفسر ذلك كتحالف عسكري مع الاحتلال ضد إيران، رغم التناقضات العميقة القائمة بين الطرفين.















































