في اليوم العالمي للصحة النفسية .. مختصون يؤكدون أهمية الانتباه للضغوط داخل الأسرة
أكد خبراء ومختصون في الصحة النفسية، أن الانتباه إلى مؤشرات الضغوط النفسية داخل الأسرة، وكسر حاجز الصمت بشأنها، والتدخل المبكر، تمثل عوامل أساسية للحد من تفاقم المشكلات النفسية وانعكاساتها على السلوك والعلاقات الأسرية، محذرين من أن كتمان المعاناة والوصمة المجتمعية قد يؤخران طلب المساعدة، ويزيدان من احتمالات تفاقم الأزمات ووصولها إلى الإساءة والعنف.
وقد تبدو خلف أبواب مغلقة، الحياة هادئة من الخارج، فيما تدور في الداخل خلافات لا يراها أحد؛ كلمة جارحة تتكرر كل يوم، تصرفات تزرع الخوف، صمت يطول بعد خلاف، وطفل يراقب المشهد من زاوية الغرفة دون أن يعرف كيف يعبّر عما يشعر به.
ويواصل أفراد الأسرة حياتهم المعتادة وكأن شيئاً لا يحدث، فيما قد تتراكم تلك الضغوط النفسية غير المعالجة وتنعكس تدريجياً على السلوك والعلاقات والاستقرار الأسري، وقد تتفاقم في بعض الحالات لتصل إلى العنف.
وفي اليوم العالمي للصحة النفسية، الذي يصادف غدا العاشر من تشرين الأول من كل عام، يعود الحديث عن أهمية أن تُسمع هذه الأصوات قبل أن تصل إلى نقطة الانهيار، وأن يصبح طلب المساعدة النفسية والتدخل المبكر جزءاً من ثقافة المجتمع، لا أمراً يُلجأ إليه بعد وقوع الأزمة، فالصمت لا يعني أن الأمور بخير، كما أن إخفاء الخلافات خلف الأبواب المغلقة لا يلغي وجودها.
وفي هذا الصدد، تم فتح ملف الصحة النفسية من خلال حوارات أجرتها مع كوادر من إدارة حماية الأسرة والأحداث في مديرية الأمن العام، ومختصتين في علم النفس السريري والتربوي، للوقوف على مؤشرات الضغوط النفسية وآثارها، وأهمية الانتباه إليها والتدخل في مراحل مبكرة، ودور الأسرة والمدرسة وجهات الحماية في التعامل معها.
الأستاذة المشاركة في علم النفس السريري بجامعة العلوم والتكنولوجيا ، والأخصائية النفسية السريرية المرخصة، الدكتورة فداء أبو الخير، قالت إن المعاناة النفسية لا تظهر دائماً في صورة حزن أو انهيار واضح، مبينة أن الإنسان قد يستمر في عمله أو دراسته، ويمارس مسؤولياته ويبتسم أمام الآخرين، في الوقت الذي يبذل فيه جهداً نفسياً كبيراً ليبدو بخير.
وأوضحت أن من المهم الانتباه إلى التغير عن النمط المعتاد للشخص، مثل الانسحاب التدريجي، واضطراب النوم أو الشهية، وسرعة الانفعال، والإرهاق المستمر، وفقدان الاهتمام بالأشياء التي كان يستمتع بها، وصعوبة التركيز، وتراجع الأداء، أو تكرار عبارات اليأس والعجز وانعدام الجدوى.
وأكدت أبو الخير أن اكتشاف المعاناة النفسية لا يتطلب دائماً وجود علامة كبيرة أو واضحة، فقد يكون المؤشر تغيراً بسيطاً لكنه مستمر لدى شخص يعرفه المحيطون به جيداً، مشيرة إلى أن سؤالاً صادقاً للاطمئنان قد يفتح باباً للحديث عن معاناة ظلت مكتومة لفترة.
وفيما يتعلق بحدود الضغط النفسي والحاجة إلى التدخل المتخصص، بينت أن الضغط جزء طبيعي من الحياة، وليس كل ضغط يستدعي علاجاً نفسياً، إلا أن القلق يبدأ عندما يصبح الضغط مستمراً أو شديداً، ويتجاوز قدرة الشخص المعتادة على التكيف، ويؤثر في نومه أو علاقاته أو عمله أو دراسته أو قدرته على أداء مهامه اليومية.
وأشارت أبو الخير إلى أن من المؤشرات التي تستدعي اهتماماً أكبر، الانسحاب الشديد، والتغير الملحوظ في السلوك أو المزاج، ونوبات الهلع المتكررة، واضطرابات النوم الشديدة، وفقدان القدرة على أداء المسؤوليات، وزيادة استخدام المواد أو الأدوية بصورة غير سليمة، والشعور المستمر باليأس أو انعدام القيمة، قائلة إن التدخل المبكر لا يعني بالضرورة أن المشكلة خطيرة، وإنما يعني محاولة التعامل معها قبل أن تتفاقم وتصبح أكثر تعقيداً.
وحول أثر الصمت وكتمان المشاعر في تأخر طلب المساعدة، أوضحت أبو الخير أن الصمت قد يجعل الإنسان يبدو متماسكاً أمام الآخرين، لكنه لا يعالج ما يحدث داخله، لافتة إلى أن كتمان المشاعر لفترات طويلة وتأجيل طلب المساعدة قد يزيدان الشعور بالعزلة، ويحرم الشخص من الدعم والتدخل اللذين كان يمكن أن يخففا معاناته في مرحلة مبكرة.
وأكدت أهمية تغيير النظرة المجتمعية إلى طلب المساعدة النفسية، موضحة أن اللجوء إلى المختص النفسي ليس إعلاناً عن الضعف، وإنما تعبير عن الوعي بالذات والمسؤولية تجاهها.
وفيما يتعلق بالوصمة المجتمعية، قالت أبو الخير إنها من أبرز الحواجز أمام طلب المساعدة النفسية، موضحة أن خوف الشخص من أن يوصف بالضعف أو المرض النفسي، أو أن يتعرض للحكم عليه اجتماعياً أو مهنياً بسبب مراجعته لمختص نفسي، قد يدفعه إلى الصمت حتى عندما يكون بحاجة حقيقية إلى المساعدة، داعية إلى تغيير ثقافة التعامل مع الصحة النفسية من انتظار الانهيار إلى التدخل في الوقت المناسب، وإلى أهمية تعزيز الثقافة النفسية في الأسرة والمدرسة والجامعة ومكان العمل، وتعريف الناس بمؤشرات الضغط النفسي، ومتى ينبغي طلب المساعدة.
وقالت إن المطلوب هو الانتقال من سؤال: "ماذا حدث له حتى انهار؟" إلى سؤال أكثر أهمية: "ماذا كان يحدث معه قبل أن يصل إلى الانهيار، وكيف كان يمكن أن نتدخل مبكراً"، داعية إلى عدم التقليل من ألم الآخرين أو مقارنة معاناتهم بمعاناة غيرهم، وأن الإنسان قد يحتاج أولاً إلى مساحة آمنة يستطيع فيها أن يقول "أنا لست بخير" دون أن يخشى الحكم عليه.
وقالت أبو الخير إن أهم رسالة في اليوم العالمي للصحة النفسية تتمثل في أن "ليس كل ألم نراه، وليس كل من يبتسم بخير"، داعية إلى جعل السؤال والاستماع والتدخل المبكر ثقافة مجتمعية، لا استجابة متأخرة بعد وقوع الأزمة.
وفي السياق ذاته، قال المقدم محمد الهزايمة من إدارة حماية الأسرة والأحداث في مديرية الأمن العام ، إن العنف الأسري بأشكاله المختلفة، بما فيها الاعتداءات الجنسية والإيذاء الجسدي والنفسي والإهمال، يرافقه في الغالب أثر نفسي على المتضررين، ما يستدعي مراعاة حالتهم النفسية والصحية منذ لحظة التعامل مع البلاغ.
وأوضح أن إدارة حماية الأسرة والأحداث تمثل جزءاً من منظومة الحماية من العنف الأسري، وتتعامل مع البلاغات والإخبارات وفق منهجية لإدارة الحالة تبدأ بالاكتشاف والتبليغ، ثم الاستجابة والتدخل، وصولاً إلى إغلاق الحالة، مع إعطاء الأولوية لسلامة المتضرر النفسية والصحية.
وأشار الهزايمة إلى أن بعض الحالات تصل وهي تعاني آثاراً نفسية شديدة أو صدمة، ما قد يتطلب تقديم الدعم والخدمة الصحية والنفسية قبل استكمال بعض الإجراءات، وفقاً لطبيعة الحالة والإجراءات القانونية، لافتاً إلى أن العنف الأسري لا يكون دائماً ظاهراً أو وليد اللحظة، إذ قد تتراكم آثاره قبل أن يطلب المتضرر المساعدة.
وأكد أن التدخل لا يقتصر على التعامل مع الواقعة عند حدوثها، وإنما يتطلب متابعة آثارها، مشيراً إلى أهمية الرعاية اللاحقة للحالات من خلال الجهات الشريكة المختصة، بما يسهم في التعامل مع الآثار النفسية للعنف ودعم المتضررين في مراحل ما بعد التدخل.
وفي هذا السياق، دعا الهزايمة الأشخاص المترددين في طلب المساعدة إلى التواصل مع إدارة حماية الأسرة والأحداث، مؤكداً أن الإدارة تستقبل البلاغات على مدار الساعة، وأن هدفها الأساسي حماية الأسرة وتوفير الخدمات اللازمة للمتضررين.
واختتم الهزايمة أن الإبلاغ عن حالات العنف الأسري والنفسي متاح عبر الحضور الشخصي، ورقم الطوارئ 911، وتطبيق أمن 911، ورقم 114 المخصص للأشخاص ذوي الإعاقة، إضافة إلى الموقع الإلكتروني والبريد الإلكتروني fpjd.dept@psd.gov.jo، والواتساب وصفحات الإدارة على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى جانب الخط الساخن والإحالات من الشركاء والمراكز الأمنية، مؤكداً أن الإدارة تستقبل البلاغات على مدار الساعة وتراعي السرية والخصوصية والكرامة الإنسانية في التعامل معها.
ولا تقتصر آثار الضغوط النفسية على من يتعرض لها بصورة مباشرة، إذ قد تمتد إلى الأبناء، الذين قد يعبّرون عن أثرها من خلال سلوكهم وتغير أدائهم اليومي، حيث قالت أستاذة علم النفس التربوي الدكتورة إسراء أبو الكشك، إن الطفل قد لا يتحدث عمّا يحدث داخل المنزل، إلا أن سلوكه في المدرسة قد يكشف جانباً مما يعيشه، موضحة أن الخلافات والتوترات الأسرية قد تنعكس على تركيزه وتحصيله وسلوكه، وقد تظهر في صورة سرعة الانفعال أو الانسحاب أو تغير السلوك.
وبينت أن من المؤشرات التي تستدعي الانتباه التراجع المفاجئ في التحصيل، وضعف التركيز، وكثرة الغياب، والعدوانية، والعزلة أو القلق، مؤكدة أهمية فهم هذه التغيرات والتعامل معها بعيداً عن وصم الطفل أو اعتباره مهملاً أو عنيداً، من خلال التعاون بين الأخصائي النفسي التربوي والمعلم والمرشد والأسرة، وتوفير بيئة آمنة تحفظ خصوصية الطفل وكرامته.
وأكدت أبو الكشك أن بإمكان الأهل الحد من أثر الضغوط النفسية الأسرية من خلال الحفاظ على الروتين والاستقرار، وعدم إشراك الطفل في الخلافات أو تحميله مسؤوليتها، وإتاحة المجال أمامه للتعبير عن مشاعره، إلى جانب منحه الوقت والاهتمام والمودة، مشيرة إلى أن الطفل لا يحتاج إلى أسرة مثالية بقدر حاجته إلى بيئة يشعر فيها بأنه آمن ومحبوب ومسموع.

















































