الحميمة الأثرية: عراقة تضرب في عمق التاريخ وشاهد على حضارات الأردن والمنطقة
تُعد الحميمة واحدة من أبرز المدن الأثرية والتاريخية في جنوب الأردن، وتقع ضمن لواء القويرة في محافظة العقبة، حيث شكّلت عبر العصور محطة استراتيجية على طرق التجارة القديمة التي ربطت الجزيرة العربية ببلاد الشام ومصر.
وتعاقبت عليها الحضارات النبطية والرومانية والبيزنطية والإسلامية، لتغدو شاهدًا حيًا على تاريخ يمتد لأكثر من ألفي عام. كما اكتسبت مكانة استثنائية في التاريخ الإسلامي لكونها معقل الدعوة العباسية، ومنها انطلقت الدعوة التي أفضت إلى قيام الدولة العباسية، فيما لا تزال آثارها المتنوعة، من حصون وكنائس ومسجد أموي ومنظومة متقدمة للحصاد المائي، تجسد عراقة هذا الموقع وأهميته الحضارية.
وقال الباحث في اللغة والتاريخ والمجتمع الدكتور نايف النجادات لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، إن الحميمة تُعد من أهم المواقع التاريخية في جنوب الأردن، إذ كانت قديمًا المركز الرئيس لمنطقة الحوراء التي امتدت من الحميمة حتى رم، قبل أن تصبح اليوم إحدى قرى لواء القويرة في محافظة العقبة.
وأوضح، أن الموقع الاستراتيجي للحميمة جعلها محطة رئيسة على طرق التجارة العالمية بين الشرق والغرب، حيث مرت بها القوافل القادمة من البتراء إلى أيلة، كما شكّلت إحدى أهم محطات طريق الحرير، وطريق رحلة الشتاء والصيف، ولاحقًا طريق الحج الإسلامي، الأمر الذي أسهم في ازدهارها واستمرار الاستيطان فيها منذ نحو 90 قبل الميلاد وحتى نهاية العصر الأموي.
وأضاف النجادات، أن الحميمة كانت من أبرز مستوطنات منطقة حسمى، وتعاقبت عليها الحضارات النبطية والرومانية والبيزنطية والإسلامية، مؤكداً أن الحفريات الأثرية كشفت عن مدينة متكاملة تضم حصنًا رومانيًا كبيرًا، وحمامًا رومانيًا، وخمس كنائس بيزنطية، وقصرًا ومسجدًا من العصر الأموي، إضافة إلى أكثر من خمسين خزانًا منحوتًا في الصخر لتجميع المياه، وسدود وبرك وقناة مائية بطول 26.5 كيلومترًا كانت تنقل المياه من ينابيع رأس النقب، في دليل واضح على التقدم العمراني والهندسي الذي شهدته المنطقة.
وأشار إلى أن الحميمة اكتسبت مكانة سياسية بارزة في التاريخ الإسلامي، إذ أصبحت مقر الأسرة العباسية ومعقل الدعوة العباسية، بعد أن منحها الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك للتابعي علي بن عبد الله بن عباس عام 95 للهجرة، فاتخذها مقرًا لإقامته وبنى فيها قصرًا ودارًا للضيافة، وتوفي فيها عام 125 للهجرة، فيما لا يزال المسجد العباسي قائمًا حتى اليوم.
وبيّن النجادات، أن عددا من الخلفاء والقادة العباسيين عاشوا في الحميمة، ومن بينهم الخليفتان أبو العباس السفاح وأبو جعفر المنصور اللذان وُلدا وترعرعا فيها قبل انتقالهما إلى العراق، ومنها انطلقت الدعوة العباسية إلى الأقاليم الإسلامية حتى نجحت في إقامة الدولة العباسية عام 132 للهجرة.
وأكد، أن الحميمة ليست مجرد موقع أثري، إذ تمثل شاهدًا حيًا على تاريخ الأردن والمنطقة، بما تختزنه من إرث حضاري وسياسي وتجاري يجعلها من أبرز المواقع التي تستحق مزيدًا من البحث والحفاظ والترويج السياحي والثقافي.

















































