آخر الأخبار
ticker 50.121 مليار دينار إجمالي الدين العام في الأردن حتى نهاية تموز ticker انخفاض مؤشرات الأسهم الأميركية ticker روسيا: خفض سعر العملات الرئيسية أمام الروبل ticker أسعار الديزل تسجل مستوى قياسيا بالولايات المتحدة ticker الضمان: الأربعاء آخر يوم لاستفادة المنشآت السياحية من التسهيلات المالية ticker تحذيرات أوروبية من أزمة إمدادات وضغط على أسعار الغاز ticker 25.5 مليون دينار حجم التداول في بورصة عمان ticker الجمارك تدعو المكلفين للاستفادة من تخفيض الغرامات ticker أكثر من 318 ألف زائر للبترا خلال 8 شهور ticker استئجار بئر مياه لتحسين التزويد المائي في قضاء رحاب ticker مكافحة المخدرات: لا تخسر نفسك لإرضاء الآخرين ticker لجنة الدفاع المدني تناقش في معان خطة الشتاء ticker الأردن يدين هجوماً إرهابياً استهدف نقطة تفتيش في باكستان ticker رئاسة الوزراء تعقد الورشة الرابعة من برنامج الذكاء الاصطناعي للقيادات الحكومية ticker محافظ إربد يدعو للاستعداد مبكرا لفصل الشتاء ticker العيسوي ينقل تعازي الملك وولي العهد إلى السفير البحريني بوفاة شقيقه ticker مندوبا عن الملك وولي العهد .. العيسوي يعزي قبيلتي العبادي والعدوان ticker انطلاق مختبر تدريبي إقليمي بالأرصاد والإنذار المبكر ticker وزيرا خارجية السعودية وأميركا يبحثان حماية أمن الملاحة وأوضاع اليمن ticker الجيش اللبناني يعلن العثور على جهاز تجسس تابع للاحتلال الإسرائيلي

"آخر العنقود" لرحمة عوينة.. حين يصبح البقاء فعلًا من أفعال المقاومة

{title}
هوا الأردن -

هوا الأردن - عمّان

بين خيمة يطاردها القصف والجوع، وذاكرة فلسطينية لا تكف عن استدعاء موتاها، ينهض صوت إبراهيم في رواية "آخر العنقود (مذكرات رجل مات كثيرًا)" للكاتبة الأردنية رحمة عوينة، الصادرة حديثًا عن "الآن ناشرون وموزعون" في الأردن (2026)، في سرد طويل النفس يزاوج بين الحكاية والذاكرة والتأمل، ويضع القارئ في قلب التفاصيل اليومية لحياة الغزيين تحت الحرب، حيث يصبح الموت إقامة دائمة، فيما تتحول الحياة إلى فعل مقاومة وتأجيل مستمر للفناء.

وصمّم غلاف الرواية الفنان والشاعر عيد بنات، وتأتي في 486 صفحة، وتتخذ من إبراهيم راوياً وشاهداً على سيرة عائلة فلسطينية حملت النكبة من جيل إلى جيل. ومن الحاضر الغزي المثقل بالخراب، تستعيد الرواية طفولته وشبابه، وتجربة اعتقاله في السجون الإسرائيلية، ودراسته في العراق، وحبه القديم لليلى، وصولًا إلى الحرب التي تعيد ترتيب حياته وعلاقاته وأسئلته حول الهوية والنجاة والموت.

وتحتل سنابل موقعًا دلاليًا محوريًا في الحكاية؛ فهي ابنة إبراهيم، و"آخر العنقود" في أحد مستويات الرواية، كما يحيل اسمها إلى السنبلة التي تموت لتملأ الدنيا سنابل. ومن هنا يتشكل أحد الخيوط الرمزية الأساسية في العمل: عائلة تتناقص بفعل الموت، لكنها تظل متمسكة بفكرة الامتداد والحياة.

ولا تسير الرواية في خط زمني مستقيم، إذ تعتمد عوينة على الاسترجاع والتنقل بين الأزمنة، فتتداخل ذاكرة الطفولة مع تجربة السجن، والحب القديم مع الحرب الراهنة، وتتكشف الحكاية تدريجيًا من خلال مذكرات وذكريات ووثائق ورسائل وحوارات ومونولوجات داخلية. ويمنح هذا التشظي السردي الرواية شكلًا يتناسب مع عنوانها الفرعي، "مذكرات رجل مات كثيرًا"، فإبراهيم لا يستعيد حياته بقدر ما يحاول إنقاذها من النسيان.

وفي الحرب، تبتعد الرواية عن المشاهد الكبرى وحدها، لتنحاز إلى التفاصيل اليومية التي تكشف اتساع المأساة: البحث عن الماء والطعام والوقود، انتظار المساعدات، الخيام، البرد، المرض، والجوع. وتستثمر عوينة المفارقة والسخرية السوداء لتخفيف وطأة الواقع دون إخفاء قسوته، فتحول بعض الأشياء الهامشية إلى عناصر دالة في الصراع على البقاء.

ومن أكثر مسارات الرواية إيلامًا تجربة رحاب، التي تختفي أثناء بحثها عن الطحين ثم تعود حاملة أثرًا بالغ القسوة من الحرب، قبل أن تنتهي حياتها بالموت، فيما يواجه إبراهيم وسنابل فراغًا جديدًا. كما تتبع الرواية قصة طارق، ابن إبراهيم، الذي يلتحق بالمقاومة ويصبح مقاتلًا في الأنفاق ثم أسيرًا، ومن خلال قصته تفتح الرواية نقاشًا داخليًا حول المقاومة والقرار السياسي وثمن الحرب، من خلال حوارات لا تقدم إجابات أحادية بقدر ما تضع الشخصيات أمام أسئلتها المتناقضة.

فنيًا، تستند عوينة إلى صوت سردي أول شديد الحضور، يجمع بين وظيفة الراوي ووظيفة الشاهد والمعلّق والمتأمل، وتتداخل في نسيج الرواية اللغة السردية والحوار والمونولوج والرسائل والوثائق والصور والقصاصات، إلى جانب استدعاء النصوص الدينية والشعرية والذاكرة الفلسطينية. وتتميز اللغة بكثافة تصويرية واضحة، وكثرة التشبيهات والاستعارات، والمزاوجة بين الفصحى ولغة الحياة اليومية، فيما يتحول التفصيل إلى تقنية سردية؛ فالمفتاح، والصورة، والورقة، والخبز، والنار، وغيرها من الأشياء الصغيرة، تحمل أعباء الذاكرة والهوية.

وتبلغ الرواية ذروة رمزيتها في نهايتها، حين تخوض دعاء، أرملة آدم، مخاضًا عسيرًا يستمر عشرة أيام، قبل أن تلد "علي" في الليلة الفاصلة بين عامين، في 31 كانون الأول 2025. وفي اللحظة ذاتها تقريبًا، يضحي الأب بأوراقه وذكرياته التي ظل يحفظها منذ النكبة لتبقى النار مشتعلة، في مفارقة تختصر الصراع بين حفظ الماضي وإنقاذ المستقبل. وهكذا يصبح المولود الجديد بذرة لاستمرار عائلة كادت الحرب أن تستأصلها، ويغدو الميلاد إعلانًا عن انتصار هش للحياة على الموت.

وفي "آخر العنقود" تكتب رحمة عوينة عن غزة من داخل تفاصيلها الإنسانية، لا من خارجها، مستعيدة الإنسان من أرقام الحرب وإحصاءاتها إلى اسمه وذاكرته وبيته وأطفاله وأشيائه الصغيرة. إنها رواية عن الموت المتكرر، لكنها، في جوهرها، عن ذلك العناد الإنساني الذي يجعل للحياة منفذًا، ولو كان طفلًا يولد في آخر ليلة من عام مثقل بالموت.

ومن أجواء الرواية نقرأ ما جاء على غلافها الأخير: "ما زال أبي يُحيّرني وما زلت أتفاجأ به حتى هذا العمر، ماذا يريد أن يقول لي؟ ما رسالته الجديدة التي عليّ استيعابها الآن بعد أن كانت الكتابة وسيلته للحفاظ على هويته وإثبات حقه الذي سُلب منه؟ أبي الذي أنهكته الحروب منذ النكبة وعاصرها كلها ودفع ثمنها من عائلته وأعصابه وجوعه وصبره وحتى من مسامير قدميه، أبي الذي صار مريضا بحب هذه البلاد حتى إنه ما زال يحتفظ بمفتاح بيته في يافا وهو يعرف أن البيت سُرق وأن ملامح الطريق تغيّرت، وأن المستعمر رفع العلم الأزرق فوق قريته، المفتاح لم يكن يوما بالنسبة لأبي مجرد رمز للعودة، أبي مؤمن حتى نخاع العظم بأنّ المفاتيح أدلة مادية يجب الاحتفاظ بها، فلو لم يكن هناك بيوت لما كانت لدينا مفاتيح تشدنا إليها!".

تابعوا هوا الأردن على