الكعابنة تكتب: من الكرك إلى كل الأردن .. مصابنا واحد ووحدتنا أقوى من الفتنة
هوا الأردن - رزان الكعابنة
ليست كل الحوادث تُقاس بحجم الألم الذي تتركه فحسب، بل بما تكشفه من معادن الناس، وبما تستدعيه من مواقف تُعبّر عن حقيقة انتمائنا لوطن واحد. وما شهدته محافظة الكرك من حادثة إطلاق النار على كنيسة ليس شأنًا يخصّ أبناء منطقة أو طائفة بعينها، بل هو مصاب يمسّ وجدان الأردنيين جميعًا، ويستدعي منا الوقوف صفًا واحدًا في وجه العنف والفتنة والكراهية.
إن حزن أشقائنا المسيحيين هو حزننا، ومصابهم مصابنا، وألمهم ألم كل أردني يؤمن بأن الإنسان وكرامته وأمنه أسمى من كل اختلاف. فالكرك ليست مجرد محافظة على خارطة الوطن، بل هي جزء أصيل من ذاكرته الوطنية، وأهلها أهلنا، وما يمسّ أبناءها يمسّنا جميعًا. وفي مثل هذه اللحظات، لا مكان للتفرقة بين أردني وآخر على أساس الدين أو المعتقد، ولا يجوز أن تتحول جريمة إلى ذريعة لاستهداف مكوّن من مكونات مجتمعنا.
وقد عبّر جلالة الملك عبدالله الثاني عن الموقف الأردني الثابت تجاه هذه الجريمة، مؤكدًا أن الأردن لن يسمح لمن يحاولون بثّ الفرقة بين أبنائه بالوصول إلى أهدافهم، وأن الأردنيين من شمال الوطن إلى جنوبه شركاء في الأرض والمصير، وأن دماءهم ووحدتهم الوطنية خط أحمر لا يمكن تجاوزه. وجاء في تغريدته: «جميع الأردنيين من شمال الوطن لجنوبه شركاء الأرض والموقف ولن ينفذ بينهما غدر».
هذه الكلمات الملكية تجسّد حقيقة راسخة في وجدان الأردنيين؛ فالوحدة الوطنية ليست شعارًا نرفعه في المناسبات، بل عهدٌ نحمله في قلوبنا ومواقفنا، ونتمسك به في الأوقات الصعبة قبل الأوقات العادية. فكل محاولة لاستهداف الأردنيين أو بثّ الفرقة بينهم ستصطدم بوعي شعب يعرف أن قوته في تماسكه، وأن أمنه مسؤولية مشتركة بين جميع أبنائه.
كما عبّرت جلالة الملكة رانيا العبدالله عن حجم الألم الذي أصاب الأردنيين جميعًا، مؤكدة أن الجرح واحد، وأن دمعة أهل الكرك هي دمعة كل أردني. وقد كتبت جلالتها في رسالتها: «جريمة نكراء أوجعت قلوبنا جميعًا عندما امتدت يد الغدر للمصلين الآمنين في الكرك اليوم. الجرح أليم والمصاب واحد، ودمعة قرية حمود وأهلها دمعة كل أردني».
إن كلمات جلالة الملكة تحمل بُعدًا إنسانيًا عميقًا، إذ تؤكد أن الحزن لا يعرف حدودًا دينية أو جغرافية، وأن الألم الذي يصيب أسرة أو قرية أو جماعة هو ألم يمسّ المجتمع كله. وهذا هو جوهر الأخوّة الوطنية التي تربط الأردنيين؛ أن نشعر بوجع بعضنا، وأن نقف إلى جانب بعضنا في الشدائد، وأن نرفض أن يتحول اختلافنا إلى وسيلة للتفرقة.
وعندما نتحدث عن تماسك المجتمع الأردني، لا يمكننا إغفال الدور التاريخي للقيادة الهاشمية في ترسيخ مفهوم المواطنة، وتعزيز التآخي بين المسلمين والمسيحيين، وتأكيد أن قوة الدولة لا تقوم على تشابه أبنائها في معتقداتهم، بل على اجتماعهم حول وطن واحد، واحترامهم المتبادل، وإيمانهم بحق الجميع في الحياة الكريمة والعبادة بحرية وأمان.
لقد حمل الهاشميون نهجًا يقوم على الاعتدال والحوار وقبول الآخر، وعملوا على ترسيخ صورة الأردن بوصفه وطنًا يحتضن أبناءه بمختلف معتقداتهم، ويصون مكانتهم ومشاركتهم في بناء الدولة. وقد عبّر جلالة الملك عبدالله الثاني في مواقفه وخطاباته عن أهمية حماية الوجود المسيحي العربي، وتعزيز الشراكة بين المسلمين والمسيحيين، والتحذير من النزاعات الطائفية التي تهدد النسيج الاجتماعي.
ويظهر أثر هذا النهج في المواقف التي تؤكد باستمرار أن الاختلاف الديني لا يتعارض مع وحدة الانتماء الوطني، وأن حماية المجتمع من الفتنة مسؤولية مشتركة تبدأ من الكلمة، وتمتد إلى السلوك والموقف والعمل. فالقيادة التي تدعو إلى التآخي والتسامح تعزز ثقافة الاحترام، والمجتمع الواعي هو الذي يحوّل هذه القيم إلى ممارسة يومية في علاقات أبنائه.
وفي هذا السياق، تبرز رسالة عمّان بوصفها محطة مهمة في ترسيخ قيم الاعتدال والتسامح ونبذ الغلو والتطرف. فقد أطلق جلالة الملك عبدالله الثاني رسالة عمّان عام 2004، ومهّدت لمؤتمر إسلامي دولي عُقد في عمّان عام 2005، بهدف بيان حقيقة الإسلام وقيمه القائمة على الرحمة والعدل والاعتدال، والتصدي للتعصب والتأويلات التي تسيء إلى الدين.
ولا تقتصر أهمية رسالة عمّان على بعدها الديني، بل تمتد إلى بعدها الإنساني والاجتماعي؛ فهي تؤكد أن حماية المجتمعات من التطرف تبدأ من فهم صحيح للدين، ومن رفض استغلال المعتقدات لإثارة الكراهية أو الاعتداء على الآخرين. كما تنسجم مع الجهود الهاشمية الرامية إلى تعزيز الحوار بين أتباع الأديان، وترسيخ الاحترام المتبادل، وحماية المشتركات الإنسانية التي تجمع البشر.
إن مواجهة الفتنة اليوم تبدأ بالتمسك بهذه القيم، فلا نسمح لخطاب الكراهية أن يختطف حزننا، ولا للشائعات أن تعبث بثقتنا ببعضنا، ولا لأي جهة أن تجعل من حادثة مؤلمة مدخلًا لضرب وحدة الأردنيين. فالإرهاب والتطرف لا يمثلان دينًا أو مجتمعًا، والجريمة لا يتحمل مسؤوليتها إلا مرتكبها، ولا يجوز أن تكون ذريعة للتعميم أو الإساءة إلى الأبرياء.
إن قوة المجتمع الأردني لا تعني أنه لن يواجه الأزمات، بل تعني قدرته على مواجهتها دون أن يفقد تماسكه أو يتخلى عن قيمه. واليوم، لا يحتاج أشقاؤنا المسيحيون إلى كلمات المواساة وحدها، بل إلى موقف وطني صادق يؤكد أنهم بين أهلهم، وأن أمنهم وكرامتهم وحرية عبادتهم جزء لا يتجزأ من أمن الأردن وكرامة أبنائه جميعًا.
كما أن مسؤوليتنا، ولا سيما في ظل الانتشار السريع للمعلومات عبر منصات التواصل الاجتماعي، تقتضي ألّا نكون أدوات لنشر الشائعات أو تأجيج الانقسام، بل شركاء في التهدئة، ونشر الحقائق الموثوقة، ومساندة المتضررين، وتعزيز الثقة بين أبناء المجتمع الواحد.
إن الأردن الذي واجه تحديات كثيرة بفضل تماسك أبنائه، وبما ترسخ فيه من قيم المواطنة والتآخي، قادر بإذن الله على حماية نسيجه الوطني من كل محاولة للفتنة. فالوحدة الوطنية تُصان كل يوم بالكلمة الطيبة، والوعي، واحترام الآخر، والوقوف إلى جانب كل من يتعرض للأذى، دون تمييز.
وتتجلى معاني القيادة والمسؤولية الوطنية في زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الكرك، وظهوره بالزي العسكري الميداني، الذي يحمل في وجدان الأردنيين رمزية الواجب والجاهزية والوقوف إلى جانب الوطن وأبنائه في مختلف الظروف. فحضور القائد في مثل هذه اللحظات يعكس أهمية التضامن مع أبناء الشعب، والوقوف إلى جانب المتضررين، والتأكيد على أن أمن الأردنيين واستقرارهم ووحدتهم الوطنية مسؤولية لا تقبل التهاون.
ولا تنفصل هذه الدلالات عن النهج الهاشمي الذي يؤكد أن الأردنيين أسرة واحدة، وأن اختلاف الأديان والمعتقدات لا ينتقص من وحدة الانتماء والمصير المشترك. فالمسلم والمسيحي شريكان في بناء الوطن، وحقوقهما وكرامتهما وأمنهما جزء أصيل من هوية الدولة الأردنية. وإن الحفاظ على هذا النسيج الاجتماعي المتماسك يتطلب منا جميعًا التمسك بالتآخي والتعايش، ورفض كل خطاب يسعى إلى بث الكراهية أو زرع الفرقة بين أبناء المجتمع الواحد.
إن الرسالة الأهم التي ينبغي أن نخرج بها من هذه المحنة هي أن الأردن لا تحميه المؤسسات وحدها، بل يحميه أيضًا وعي أبنائه، وتمسكهم بأخوتهم، وإيمانهم بأن الوطن يتسع للجميع. وستبقى قيم التآخي والتسامح التي ترسخت عبر تاريخنا الوطني أساسًا لقوتنا، وسندًا لنا في مواجهة التطرف والفتنة، بإذن الله.
فإن الكرك اليوم ليست وحدها في حزنها، وأشقاؤنا المسيحيون ليسوا وحدهم في مصابهم؛ فالأردن كله يقف معهم، ويتألم لألمهم، ويرفض الاعتداء الذي طالهم. وستبقى علاقتنا أكبر من كل حادثة، وأعمق من كل محاولة للفرقة، ما دمنا نتمسك بأخلاقنا الوطنية وبقيمنا الدينية والإنسانية.
حفظ الله الأردن، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار، وحفظ قيادته الهاشمية وشعبه بكل أطيافه، ورحم الضحايا، ومنّ على المصابين بالشفاء، وألهم ذويهم الصبر والسلوان.
ففي الأردن، لا يُقاس الانتماء بدين الإنسان، بل بصدق انتمائه لوطنه، ومحبته لأهله، ووقوفه إلى جانب أخيه في الشدائد. مصاب الكرك مصابنا جميعًا، ووحدتنا الوطنية عهدٌ نحمله ونحميه. 🇯🇴











































