بعد 40 عاما .. د. فيصل الرفوع يودع الجامعة الأردنية
ودع أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في الجامعة الأردنية الدكتور فيصل الرفوع، الجامعة الأردنية برسالة شكر مؤثرة بعد 40 عاما من العمل فيها، إذ بدأت رحلته في عام 1986.
وأكد الرفوع في رسالته أن الوظيفة قد تنتهي، ولكن لا ينتهي الانتماء. وقد نغادر المكتب، ولكن لا نغادر الذاكرة. وقد تمضي السنوات، ولكن يبقى الوفاء.
وتاليا رسالة الرفوع:
أربعون عامًا في الجامعة الأردنية.. 1986–2026، …..رسالة شكر ووفاء..!!!
بعد أربعين عامًا، ها أنا أبدأ بكتابة كلماتٍ كنت أظن أن موعدها ما يزال بعيدًا…
أعود بذاكرتي إلى الثلاثين من أيلول عام 1986، يوم بدأت رحلتي في الجامعة الأردنية. يومها لم أكن أعلم أن هذه الجامعة ستصبح جزءًا كبيرًا من حياتي، وأنني سأمضي بين جنباتها أربعين عامًا من عمري؛ أتعلم وأعلّم، وأبحث وأكتب، وأتحمل المسؤولية، وأفرح وأحزن، وألتقي أجيالًا من الزملاء والطلبة، وأصنع معهم ذكريات ستبقى معي ما حييت.
واليوم، في 30 أيلول 2026، وبعد أربعة عقود كاملة، أقف أمام محطة مختلفة؛ ليست محطة وداع بقدر ما هي محطة تأمل وامتنان ووفاء. أستعيد فيها الوجوه والأسماء والمواقف، وأتذكر أولئك الذين شاركوني هذه الرحلة الطويلة؛ بعضهم ما يزال بيننا، وبعضهم غادر المكان، وبعضهم غادر دنيانا، وبقيت ذكراه الطيبة حاضرة في القلب والوجدان.
بدأت رحلتي في الجامعة الأردنية عام 1986 باحثًا في مركز الدراسات الاستراتيجية، حيث أمضيت عامين، من 1986 إلى 1988. وكانت تلك البداية مدرسة علمية وفكرية مهمة، أتاحت لي الاقتراب بصورة أعمق من قضايا الأردن والمنطقة والعالم، وأسهمت في ترسيخ اهتمامي بالبحث والتحليل السياسي والاستراتيجي.
وفي عام 1988 انتقلت إلى قسم العلوم السياسية، ومنذ ذلك التاريخ وحتى عام 2026، وعلى مدى ثمانية وثلاثين عامًا، أصبح هذا القسم بيتي الأكاديمي والفكري والإنساني.
وفي قسم العلوم السياسية، لم أكن أستاذًا فحسب، بل تشرفت كذلك برئاسته لأكثر من تسعة عشر عامًا. كانت سنوات طويلة من المسؤولية والعمل والتعاون مع زميلات وزملاء أعزاء، والسعي إلى تطوير القسم والمحافظة على مكانته الأكاديمية والعلمية، وخدمة طلبته وطالباته، وتعزيز حضوره داخل الجامعة وخارجها.
ولزميلاتي وزملائي في قسم العلوم السياسية أقول من القلب: لقد كنتم رفاق رحلة طويلة، وتقاسمنا معًا سنوات من العمر الأكاديمي والإنساني. التقينا في قاعات التدريس والاجتماعات والندوات والمؤتمرات، وتناقشنا واختلفنا واتفقنا، وعشنا أيامًا سهلة وأخرى صعبة. وقد تتغير المواقع والمسؤوليات، وتنقضي السنوات، لكن ما يبقى في النهاية هو الاحترام والمودة والذكريات الجميلة والأثر الطيب.
كما تشرفت خلال هذه المسيرة بخدمة كلية الأمير الحسين بن عبدالله الثاني للعلوم السياسية والدراسات الدولية عميدًا لدورتين. وهي مسؤولية أعتز بها كثيرًا، لما أتاحته لي من العمل مع نخبة من الزميلات والزملاء، والمساهمة معهم في تطوير الكلية وتعزيز حضورها ومكانتها الأكاديمية، وخدمة أقسامها وبرامجها وطلبتها.
وفي هذه المناسبة، أتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى معالي الأستاذ الدكتور نذير عبيدات، رئيس الجامعة الأردنية، على ما يبذله من جهود في خدمة جامعتنا والارتقاء بمكانتها الأكاديمية، وعلى ما وجدته منه من احترام وتقدير. كما أتوجه بالشكر والامتنان إلى رؤساء الجامعة السابقين، ونواب الرئيس، والعمداء، ورؤساء الأقسام، ومديري المراكز والوحدات، وكل من تشرفت بالعمل معه خلال هذه العقود الأربعة.
وأخص بالشكر زميلاتي وزملائي في كلية الأمير الحسين بن عبدالله الثاني للعلوم السياسية والدراسات الدولية، وفي مركز الدراسات الاستراتيجية، كما أتوجه بالامتنان إلى جميع الزميلات والزملاء في الجامعة الأردنية، أكاديميين وإداريين، ممن جمعتني بهم سنوات العمل أو مواقف الحياة الجامعية.
أما طلبتي وطالباتي على امتداد هذه العقود، فلهم مني كلمة خاصة. لقد كانوا دائمًا في صميم رسالتي الأكاديمية وغايتها. دخلوا قاعات الدرس طلابًا وطالبات، ثم مضت السنوات، فإذا بكثير منهم أساتذة وباحثون ودبلوماسيون ومسؤولون وقيادات في مواقع مختلفة داخل الأردن وخارجه. وكان نجاحهم، وسيبقى، واحدًا من أجمل ثمار هذه المسيرة وأقربها إلى القلب.
ولم تكن مسيرتي الأكاديمية خلال هذه العقود محصورة في حدود المكان؛ فقد حملتني رحلة العلم والتدريس والبحث إلى جامعات ومؤسسات أكاديمية خارج الأردن، ولا سيما في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا. وكانت تلك التجارب امتدادًا لمسيرتي في الجامعة الأردنية، ونافذة واسعة على ثقافات ومدارس فكرية وأكاديمية مختلفة.
وكانت من المحطات العلمية التي أعتز بها كثيرًا في مسيرتي فوزي بمنحة فولبرايت (Fulbright) لدراسات ما بعد الدكتوراه (Postdoctoral Studies). وقد شكلت هذه المنحة محطة مهمة في حياتي الأكاديمية والبحثية، فتحت أمامي آفاقًا أوسع للبحث والتفاعل مع البيئة الأكاديمية الأمريكية، وأتاحت لي التواصل مع أساتذة وباحثين وطلبة من خلفيات علمية وثقافية متعددة، وأسهمت في إثراء تجربتي الفكرية والبحثية وفي توسيع جسور الحوار العلمي والثقافي بين الأردن والعالم.
وأستذكر هنا باعتزاز وامتنان تجربتي الأكاديمية في Brigham Young University وEastern Michigan University في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي McGill University وUniversity of Toronto وYork University في كندا. وقد كانت كل واحدة من هذه الجامعات محطة لها خصوصيتها، أضافت إلى مسيرتي العلمية والفكرية، ووسعت آفاقي في التدريس والبحث والحوار بين الثقافات.
وإلى زميلاتي وزملائي في هذه الجامعات، وإلى طلبتي وطالباتي الذين تشرفت بتدريسهم هناك، أبعث اليوم، عبر المسافات، بكلمة محبة ووفاء وشكر. لقد تعلمت منكم كما حاولت أن أقدم لكم شيئًا مما تعلمته في وطني وجامعتي، وحملنا معًا، عبر قاعات الدرس والنقاشات العلمية واللقاءات الإنسانية، إيمانًا مشتركًا بأن العلم لا تحدّه الجغرافيا، وأن المعرفة جسر يصل بين الشعوب والثقافات.
وكنت، أينما ذهبت وأينما درّست، أحمل معي شيئًا من الأردن ومن الجامعة الأردنية؛ أقدم لطلبتي وزملائي جانبًا من تجربتنا العربية والأردنية، وأعود إلى جامعتي محملًا بتجارب وأفكار وصداقات جديدة. ولهذا لم تكن تلك الرحلات الأكاديمية ابتعادًا عن الجامعة الأردنية، بل كانت، في جانب مهم منها، امتدادًا لرسالتها وحضورها خارج حدود الوطن.
وفي هذه اللحظة، تحضر في الذاكرة أيضًا وجوه عزيزة لزملاء وزميلات رحلوا عن دنيانا خلال هذه السنوات الأربعين. كانوا معنا في المكاتب والقاعات والاجتماعات، وتقاسمنا معهم أيامًا ومواقف وذكريات لا تُنسى. أستذكرهم اليوم بكل الوفاء والمحبة، وأترحم عليهم، وأسأل الله أن يجزيهم عن علمهم وعطائهم خير الجزاء، وأن يجعل ما قدموه لطلبتهم وجامعتهم في ميزان حسناتهم.
أربعون عامًا…
حين أقولها اليوم، أشعر أنني لا أتحدث عن رقم، بل عن حياة كاملة؛ عن آلاف الساعات في قاعات التدريس، وعن كتب وأبحاث وأوراق، وعن اجتماعات ومناقشات ومؤتمرات، وعن طلبة أصبح بعضهم زملاء، وعن زملاء أصبحوا أصدقاء، وعن وجوه عبرت المكان وتركت في النفس أثرًا لا تمحوه السنوات.
كانت هناك نجاحات وإخفاقات، وأفراح وأحزان، واتفاقات واختلافات، وأيام هادئة وأخرى عصيبة؛ وتلك كلها طبيعة الحياة والعمل الأكاديمي. لكنني، وأنا أنظر اليوم إلى الوراء، لا أريد أن أحمل معي إلا الجميل: كلمة طيبة، وموقفًا كريمًا، وصداقة صادقة، وطالبًا نجح، وزميلًا أحسن، وذكرى تستحق أن تبقى.
وإن كنت قد وفقت في شيء خلال هذه المسيرة، فذلك من فضل الله سبحانه وتعالى أولًا، ثم بفضل كل من تعاون معي وساندني وقدم لي نصيحة أو كلمة صادقة. وإن كنت قد قصرت أو أخطأت، أو أسأت إلى زميل أو زميلة من غير قصد، فإنني أرجو منهم الصفح والتسامح؛ فما أجمل أن نغادر مواقعنا ولا يبقى بيننا إلا الود والذكر الطيب.
بعد أربعين عامًا، أدرك أكثر من أي وقت مضى أن الجامعة ليست مباني وقاعات ومكاتب فقط؛ الجامعة هي الناس. هي الأستاذ والطالب، والباحث والموظف، والزميل والصديق. وهي الذكريات التي نصنعها معًا، ثم نكتشف، بعد مرور السنين، أنها أصبحت جزءًا من حياتنا ومن قصة العمر.
واليوم، وأنا أطوي الصفحة الوظيفية من هذه الرحلة، فإنني لا أطوي صفحة الجامعة الأردنية من حياتي.
قد تنتهي الوظيفة، ولكن لا ينتهي الانتماء.
وقد نغادر المكتب، ولكن لا نغادر الذاكرة.
وقد تمضي السنوات، ولكن يبقى الوفاء.
إلى زميلاتي وزملائي في قسم العلوم السياسية، وفي كلية الأمير الحسين بن عبدالله الثاني للعلوم السياسية والدراسات الدولية، وفي مركز الدراسات الاستراتيجية، وإلى أسرة الجامعة الأردنية كلها، وإلى زملائي وطلبتي الذين جمعتني بهم رحلتي الأكاديمية في الولايات المتحدة وكندا، وإلى طلبتي وطالباتي عبر الأجيال:
شكرًا لكم على أربعين عامًا من العلم والعمل والعطاء والزمالة والمحبة والذكريات.
وشكرًا للجامعة الأردنية التي استقبلتني في 30 أيلول 1986، ومنحتني على مدى أربعة عقود بيتًا علميًا وفكريًا وإنسانيًا سأظل أعتز بالانتماء إليه.
ها أنا بعد أربعين عامًا أغادر مرحلة من مسيرتي، ولكنني أحمل معي من الجامعة الأردنية، ومن كل الجامعات التي تشرفت بالعمل والتدريس فيها، ما هو أبقى من أي منصب أو موقع: العلم، والذكريات، والزمالة، والصداقة، والمحبة، ووجوه أناس أعزاء كانوا جزءًا من قصة العمر.
حفظ الله الجامعة الأردنية، وحفظ أسرتها وطلبتها، وحفظ الأردن عزيزًا آمنًا مزدهرًا.
وإلى جامعتي، وزميلاتي وزملائي، وطلبتي وطالباتي، في الأردن وخارجه…
كل المحبة، وكل الوفاء، وكل الشكر.
فيصل عودة الرفوع
أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية السابق في الجامعة الأردنية،
4 تشرين الأول/ اكتوبر 2026
















































