دراسة: سوق العمل الأردني يعاني اختلالات بنيوية عميقة
خلص تقييم حديث أعده المجلس الدنماركي للاجئين بتكليف من الاتحاد الأوروبي حول سوق العمل في الأردن، أن أزمة سوق العمل في الأردن لم تعد تُقرأ بوصفها نقصاً في عدد الوظائف، بقدر ماهي اختلال بنيوي أعمق يمسّ طبيعة العمل ذاته وجودته واستقراره.
وأظهر التقييم، أن القطاعات الأكثر استيعابا للعمالة لا توفّر بالضرورة فرصًا لائقة، في ظل توسّع العمل غير الرسمي وتراجع شروط العمل.
كما سلّط التقييم الضوء على واقع اللاجئين، لا سيما السوريين منهم، بوصفه جزءا أساسيا من معادلة سوق العمل في الأردن، حيث بين أن مشاركتهم الاقتصادية ما تزال محكومة بقيود تنظيمية وهيكلية تدفع نسبة كبيرة منهم نحو العمل غير الرسمي.
وبين أن قرارات العودة لسورية ما تزال مشروطة بعوامل اقتصادية وأمنية وسكنية، ما يجعل الاعتماد على سبل عيش داخل الأردن أمرا حتميا على المدى القريب، مشيرا التقرير إلى أن هذا يؤكد على أهمية المهارات القابلة للنقل، التي تتيح للاجئين توليد الدخل في الأردن مع إمكانية توظيفها مستقبلا ببلادهم، في حين تشكل المشاريع المنزلية والعمل غير الرسمي إستراتيجيات بقاء رئيسية، رغم ما يرافقها من هشاشة وضعف في الاستقرار والحماية.
أما مشاركة النساء في سوق العمل، فتتأثر بشكل رئيسي بعوائق هيكلية وتشغيلية، مثل محدودية وسائل النقل، وأعباء الرعاية، وطبيعة ترتيبات العمل، أكثر من ارتباطها بنقص الاهتمام أو القدرات. وبظل هذه القيود، تبرز المشاريع المنزلية كخيار مهم لتمكين النساء اقتصاديا، كما يواجه الأشخاص ذوو الإعاقة تحديات كبيرة بالوصول للعمل، حيث يرى نحو ثلثيهم أن فرصهم محدودة بسبب نقص الوظائف المناسبة، إضافة إلى عوائق تتعلق بإمكانية الوصول والتصورات السائدة لدى أصحاب العمل.
وتُعدّ المشاريع المنزلية إحدى أهم استراتيجيات كسب العيش، خاصة للنساء واللاجئين السوريين، حيث تتركز في مجالات مثل إنتاج الأغذية، والخياطة، والحرف اليدوية، والخدمات الشخصية، نظرًا لانخفاض عوائق الدخول إليها، إلا أن استدامتها تتأثر بعوامل مثل محدودية الوصول إلى الأسواق، وتقلب الدخل، وانتشار العمل غير الرسمي، والتشبع في بعض الأنشطة.
النتائج ليس مفاجئة
من جهة أخرى أكد خبراء في هذا المجال على أنّ النتائج التي توصل اليها التقييم لم تكن مفاجأة خصوصاً أنّها تلتقي وتتوافق مع ما توصلت إليه دراسات محليّة سابقة.
وبحسب مؤسس مركز الفينيق، أحمد عوض، إن الأزمة "ليست في عدد الوظائف بل بنوعيتها" وانخفاض الأجور وارتفاع دوران العمالة وضعف الحماية هي سمات متجذّرة في السوق.
واتفق معه رئيس مركز بيت العمال، حمادة أبو نجمة، الذي أكد على أنّ التحدي الحقيقي يكمن في طبيعة الفرص وشروطها، لا في كميتها، خاصة مع هيمنة العمل غير المنظم على جزء كبير من السوق.
وبين ان نتائج هذا التقييم الدولي والقراءات المحلية، تتقاطع المؤشرات لتكشف عن سوق عمل يتكيّف مع الأزمات عبر حلول قصيرة الأجل، كالمشاريع المنزلية والعمل غير الرسمي، بدل إنتاج مسارات تشغيل مستقرة.
وهو ما يضع، بحسب الخبراء، ضرورة الانتقال لمقاربات شاملة تعالج جذور الاختلالات، من مواءمة المهارات، إلى تنظيم السوق، وتحسين جودة الوظائف، في صلب أي إصلاح حقيقي.
فرص العمل متركزة بالصناعات التحويلية
وبحسب نتائج التقييم فإنّ فرص العمل في الأردن لا تزال متركزة في القطاعات كثيفة العمالة، مثل الصناعات التحويلية، وتصنيع الأغذية، والزراعة، والبناء، وتجارة التجزئة، وبعض الخدمات، ورغم استمرار هذه القطاعات باستيعاب العمالة، فإن ذلك يتم في الغالب عبر أنماط توظيف غير مستقرة، مدفوعة بارتفاع معدلات دوران العمالة، وليس نتيجة خلق فرص عمل مستدامة. كما يتأثر استقرار العمل بعدة عوامل، أبرزها انخفاض مستويات الأجور، وضعف ظروف العمل، وانتشار العمل غير الرسمي، ومحدودية فرص الترقّي، خاصة في الشركات الصغيرة والمتوسطة.
وأشار التقييم إلى أن هذه العوامل مجتمعة لا ترقى لمعايير العمل اللائق، ما ينعكس سلبًا على جودة الوظائف، ويضعف قدرة المؤسسات على الاحتفاظ بالعمال، ويحد من فرص تنمية المهارات على المدى الطويل.
وفي هذا الإطار، تبرز فجوة عدم تطابق المهارات كأحد أبرز التحديات الهيكلية، حيث يفضّل أصحاب العمل المهارات العملية والسلوكية المرتبطة بالأداء المباشر على المؤهلات الرسمية، في حين تظل أنظمة التدريب في كثير من الأحيان غير متوائمة مع احتياجات السوق، ما يؤدي إلى إضعاف فرص الانتقال الفعّال إلى العمل.
كما يتأثر انخراط القطاع الخاص باعتبارات تتعلق بإدارة المخاطر والتكاليف، إذ يُظهر أصحاب العمل استعدادًا أكبر للتوظيف والتعاون عندما تنخفض المخاطر ويتم أخذ القيود التشغيلية بعين الاعتبار، مثل القدرة على الإشراف، ومعدلات دوران الموظفين، والأعباء الإدارية. وفي هذا السياق، يبرز التعلّم القائم على العمل كأداة مهمة للتوظيف والفرز، إلا أن فعاليته تبقى مرهونة بمدى توافقه مع متطلبات الوظائف الفعلية.
وفيما يتعلق باللاجئين السوريين، أشارت النتائج إلى أن العودة لسورية ما تزال خيارًا مشروطًا وطويل الأمد، حيث تهيمن الاعتبارات الاقتصادية والأمنية وإمكانية الوصول للسكن على قرارات العودة، وتُعدّ المهارات القابلة للنقل، التي تمكّن من توليد الدخل في الأردن ويمكن توظيفها مستقبلًا في سوريا، عنصرًا أساسيًا في هذا السياق.
أزمة تتعلق بجودة العمل
مؤسس ومدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية أحمد عوض، أكد على أنّ النتائج، أكدت على ما كانت تقوله منذ سنوات المؤسسات البحثية الأردنية ومنظمات المجتمع المدني وخبراء سوق العمل، بأنّ أزمة العمل في الأردن ليست مجرد نقص في الوظائف، بل أزمة بنيوية أعمق تتعلق أيضاً بجودة العمل واستقراره وعدالته.
فالدراسة تُظهر بوضوح أن القطاعات الأكثر استيعابًا للعمالة، مثل الصناعة والزراعة والبناء والخدمات، لا توفر بالضرورة فرص عمل لائقة أو مستقرة، بل تقوم في كثير من الأحيان على الأجور المتدنية، وارتفاع دوران العمالة، وضعف شروط العمل، وانتشار العمل غير الرسمي (غير المنظم)، وهذه نتيجة بالغة الأهمية، لأنها تؤكد أن المشكلة ليست فقط في عدد فرص العمل، بل في نوعيتها أيضًا.
وبحسب عوض فإنّ الدراسة أعادت تسليط الضوء على فجوة المهارات، لكنها وضعته بإطارها الصحيح حيث أنّ الخلل لا يكمن فقط في نقص التدريب، بل في ضعف مواءمة التعليم والتدريب مع الاحتياجات الفعلية لسوق العمل، وفي تفضيل أصحاب العمل للمهارات العملية والسلوكية المباشرة على المؤهلات الشكلية. وهذا يتطابق مع التحليلات الأردنية التي شددت دائماً على أن الحل لا يكون ببرامج تدريب منفصلة عن الواقع الاقتصادي.
وبين عوض أن الدراسة أكدت على أن العمل غير الرسمي (غير المنظم) لم يعد ظاهرة هامشية، بل أصبح جزءًا بنيويًا من سوق العمل الأردني، وآلية تكيّف رئيسية للعمال وأصحاب العمل معًا تحت ضغط الكلفة والتعقيدات التنظيمية.
ضعف الحماية للعمال
رئيس مركز بيت العمال، الخبير حمادة أبو نجمة، قال أن التقرير يكشف بوضوح أن التحدي لا يرتبط فقط بعدد فرص العمل التي يوفرها سوق العمل وإنما بطبيعة هذه الفرص ومستوى جودتها وشروطها، فمن المعروف أن نسبة كبيرة من الأعمال التي يتيحها سوق العمل الأردني تتسم الغالب بعدم الاستقرار وانخفاض الأجور وضعف الحماية، ما يمثل خللا مهما يتطلب الالتفات إليه.
كما أن العمل غير المنظم أصبح الشكل الأكثر انتشاراً في العديد من القطاعات، وأصبح يشكل نسبة كبيرة من عدد العاملين يقارب 55% من العاملين، ما يعني أن شريحة واسعة من العاملين تعمل خارج الإطار القانوني دون حماية كافية أو استقرار وظيفي، واستمرار هذا الوضع يعكس وجود مشكلة في قواعد التعامل مع الاقتصاد غير المنظم الذي اتسع في السنوات الأخيرة، خاصة وأن كلفة الالتزام بالإجراءات القانونية للأعمال والمشاريع خاصة الصغيرة والمتوسطة منها وتعقيدها تجعل العمل غير المنظم أكثر انتشاراً.
كما أن فرص العمل تتركز بقطاعات ضعيفة الإنتاجية وتعتمد على استبدال العمال بشكل مستمر بسبب ارتفاع معدل ترك العمل، وهذا النمط يؤدي لإعادة تدوير نفس الوظائف بدلا من خلق فرص جديدة ما يفسر استمرار البطالة إلى جانب وجود نقص في العمالة في بعض المهن.
وأضاف أنه في جانب المهارات يركز أصحاب العمل على القدرة على العمل المباشر دون تدريب إضافي، وهذا يعكس ضعف الارتباط بين برامج التدريب واحتياجات الوظائف الفعلية، ومن جانب آخر فإن التدريب المهني قد لا يؤدي في كثير من الحالات إلى فرص تشغيل حقيقية، وهذا أمر يتطلب مراجعة حقيقية لمنظومة التدريب المهني التي قد يعتبرها البعض غير جاذبة ولا يقبل عليها سوى ما يقرب من 12 % من الشباب.
وبخصوص فرص العمل أكد على أن التركيز يجب أن يتجه نحو خلق فرص العمل في القطاعات القادرة على توليد قيمة مضافة أعلى وتتناسب مع توجهات الباحثين وتخصصاتهم بدلا من الاكتفاء بالقطاعات التي تعتمد على العمالة منخفضة المهارة، فاستمرار الاعتماد على نفس القطاعات يعني استمرار إنتاج نفس المشكلات من تدني الأجور إلى ضعف الاستقرار الوظيفي.
وشدد على ضرورة العمل على معالجة ضعف المشاركة الاقتصادية للنساء بحيث لا يقتصر ذلك على التدريب أو التوعية ويمتد إلى إجراءات عملية مثل دعم النقل وتنظيم ساعات العمل بشكل أكثر مرونة وتشجيع أنماط العمل المرنة وتنظيمها والأعمال القريبة من مكان السكن، وهذه إجراءات قابلة للتطبيق ويمكن أن تحدث فرقاً سريعاً في مستوى المشارك.
















































