"الإدارة المحلية".. هل تتحول البلديات إلى محرك للاستثمار والتنمية الاقتصادية؟
مشروع القانون يمنح البلديات أدوات تنموية لخلق فرص العمل وسط تحديات الإنفاق والتمويل
بعد عقود ارتبط فيها دور البلديات بتقديم الخدمات المحلية الأساسية والتقليدية، يفتح مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026 الباب أمام تحول نوعي في وظائفها، لتصبح لاعباً اقتصادياً فاعلاً في تنمية المحافظات، من خلال قيادة الاستثمارات، وإبرام الشراكات مع القطاع الخاص، وتأسيس الشركات، وإعداد الخطط التنموية، في خطوة تستهدف تعزيز الإيرادات الذاتية، وتحفيز النمو الاقتصادي، وخلق فرص عمل.
ويمنح مشروع القانون البلديات صلاحيات وأدوات جديدة في مجالات التخطيط التنموي، والاستثمار، وإدارة الموارد المالية، والتحول الرقمي، بما يطرح تساؤلات حول مدى قدرة هذه المنظومة على تنشيط الاقتصاد المحلي، وجذب الاستثمارات، وتقليص الفجوات التنموية بين المحافظات، وتحويل البلديات إلى رافعة حقيقية للاستثمار والتنمية المستدامة، في ظل تحديات التمويل والحوكمة والقدرات المؤسسية.
وأكد اقتصاديون أن مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026 يمثل تحولاً في الدور الاقتصادي للبلديات، من مؤسسات تركز على تقديم الخدمات التقليدية إلى جهات تمتلك أدوات للتخطيط والاستثمار والشراكة مع القطاع الخاص، بما يعزز مساهمتها في التنمية المحلية وتحفيز النشاط الاقتصادي في المحافظات.
واعتبروا، في تصريحات صحفية ، أن منح البلديات صلاحيات أوسع في إدارة الموارد، والدخول في مشاريع استثمارية، وتأسيس شركات، وتخصيص موارد مالية إضافية، يشكل فرصة لتعزيز الاستقلال المالي، ورفع قدرة المحافظات على جذب الاستثمارات وخلق فرص العمل، مؤكدين أن الأثر الاقتصادي للقانون سيعتمد على قدرة البلديات على تحويل هذه الصلاحيات إلى مشاريع إنتاجية ذات أثر تنموي ملموس. وأوضحوا أن نجاح التجربة يتطلب بناء قدرات إدارية ومالية داخل البلديات، وتعزيز الإيرادات الذاتية، وتطوير أدوات إدارة الشراكة مع القطاع الخاص، إلى جانب وجود حوكمة واضحة وتشريعات مستقرة وإجراءات شفافة تعزز ثقة المستثمرين.
وفي المقابل، أشاروا إلى أن الدور الاقتصادي الجديد للبلديات سيواجه تحديات تتعلق بمحدودية الموارد البشرية والمالية، وضعف الخبرة في إدارة المشاريع الاستثمارية، والحاجة إلى إعداد دراسات جدوى متكاملة، وتوفير بيئة تنظيمية تحقق التوازن بين مصالح البلديات والمستثمرين، وتضمن استدامة المشاريع.
صلاحيات أوسع لتعزيز التنمية
يحمل مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026، الذي يناقشه مجلس النواب حالياً، حزمة من التعديلات التي تعزز البعد الاقتصادي والتنموي في عمل البلديات، من خلال توسيع صلاحياتها في التخطيط والاستثمار وإدارة الموارد المالية، بما يدعم التنمية المحلية في المحافظات.
ويمنح المشروع البلديات صلاحيات أوسع لإعداد الخطط التنموية، والدخول في شراكات مع القطاع الخاص، وتأسيس شركات لأغراض خدمية واستثمارية، مع إعطاء الأولوية للمشاريع التي تعزز الإيرادات الذاتية، وتوفر فرص عمل، وتدعم البنية التحتية الرقمية والطاقة المتجددة.
كما يتضمن إجراءات لتعزيز الاستقلال المالي للبلديات عبر تنويع مصادر الإيرادات، وتوسيع صلاحيات الاقتراض، وربط توزيع الموارد الحكومية بمعايير التنمية، والأداء المالي، ومستويات الفقر والبطالة، إلى جانب تعزيز الحوكمة، ومنع تضارب المصالح، وإلزام البلديات بالتحول الرقمي في تقديم خدماتها وإدارة أعمالها.
ويشار إلى أن عدد البلديات في المملكة يبلغ نحو 104 بلديات، فيما خصصت الموازنة العامة للعام الحالي نحو 255 مليون دينار كنفقات رأسمالية لها.
اقتصادي وتنموي جديد
وقال الخبير الاقتصادي حسام عايش إن مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026 لا يقتصر على إعادة تنظيم عمل البلديات أو تطوير منظومة الإدارة المحلية، بل يؤسس بوضوح لدور اقتصادي وتنموي جديد، من خلال منح البلديات صلاحيات مالية واستثمارية تمكنها من المساهمة في تحفيز الاقتصاد المحلي.
وأوضح عايش أن البلديات لا تضيف قيمة للاقتصاد الوطني بمجرد وجودها، وإنما عندما تمتلك صلاحيات مالية وقدرة على تحويل الموارد المحلية إلى استثمارات ومشاريع تنموية تخلق فرص عمل وتعزز النمو، مشيراً إلى أن بقاء البلديات معتمدة على التمويل المركزي يجعلها أقرب إلى جهة إنفاق منها إلى محرك للتنمية.
وأضاف أن مشروع القانون يمثل خطوة نحو تعزيز الاستقرار المالي للبلديات، خاصة مع تخصيص 50 % من حصيلة الرسوم والضرائب على المشتقات النفطية، أو ما يعادل 3 % من الموازنة العامة، إلا أن نجاح هذه الخطوة يبقى مرتبطاً بقدرة البلديات على تنمية إيراداتها الذاتية وجذب الاستثمارات، وعدم الاكتفاء بالاعتماد على التحويلات الحكومية.
وأشار إلى أن أثر القانون على الاقتصاد المحلي في المحافظات سيكون إيجابياً إذا نجحت البلديات في استثمار الصلاحيات الجديدة، لافتاً إلى أهمية وضع مؤشرات أداء تقيس انعكاس القانون على الاستثمار، وفرص العمل، وكفاءة الإنفاق، ومستويات التنمية في المحافظات.
وبين أن المؤشرات المالية الحالية تعكس محدودية الدور الاقتصادي للبلديات، إذ لا يتجاوز الإنفاق البلدي نحو 2.5 % من إجمالي الإنفاق الحكومي، فيما تشكل الإيرادات البلدية أقل من 1 % من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسب متواضعة مقارنة بالحكومات المحلية في العديد من الدول التي تعتمد بدرجة أكبر على الإيرادات الذاتية وتمتلك استقلالية مالية أوسع.
وأكد عايش أن المشاريع الاستثمارية البلدية تمثل جوهر الدور الاقتصادي الجديد الذي يسعى القانون إلى ترسيخه، إذ لا تقتصر آثارها على زيادة إيرادات البلديات، بل تمتد إلى خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وتنشيط الطلب على السلع والخدمات، وتحفيز استثمارات القطاع الخاص، ولا سيما في مجالات المناطق الصناعية، والأسواق المركزية، والطاقة المتجددة، والسياحة، والبنية التحتية.
ثقة المستثمرين
من جانبه، يرى أمين سر جمعية رجال الأعمال الأردنيين، عبدالرحمن أبو طير، أن مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026 يشكل إطاراً تشريعياً محفزاً للاستثمار، ويعكس اهتماماً واضحاً بملف الاستثمار البلدي، متجاوزاً الدور التقليدي للبلديات في تقديم الخدمات إلى دور تنموي واستثماري فاعل.
وأوضح أن المشروع يمنح المجالس البلدية صلاحيات واضحة للدخول في شراكات مع القطاع الخاص، وإنشاء لجنة استثمار ووحدة تنمية محلية في كل بلدية، بهدف تسهيل الإجراءات وتقديم الدعم الفني للمستثمرين، بما يعزز بيئة الأعمال.
ويرى أبو طير أن القانون يوفر ضمانات مهمة لجذب المستثمرين وتعزيز الثقة لديهم، إلا أن هذه الضمانات تحتاج إلى التكامل مع عوامل أخرى لبناء ثقة كاملة، مشيراً إلى أن النص على منع تضارب المصالح، ومتابعة الأداء المالي، وتوفير إطار تنظيمي واضح، يمثل ضمانة للمستثمرين بأن إجراءات الاختيار ستكون نزيهة وشفافة.
وأشار إلى أن التحديات المالية والإدارية التي واجهت البلديات على مدى سنوات طويلة أضعفت قدرتها على أن تكون شريكاً قوياً للمستثمرين، فضلاً عن عدم انسجام عملها في كثير من الأحيان مع المرجعيات والتشريعات الاستثمارية. وأضاف أن من أبرز مخاوف المستثمرين قصر مدة عقود الشراكة مع البلديات، في حين يحتاج المستثمر إلى فترات أطول لاسترداد استثماراته وتحقيق عوائد مجزية، إلى جانب محدودية الخبرات البلدية في إدارة عقود الشراكة مع القطاع الخاص.
وشدد أبو طير على أن تحويل البلديات إلى بيئة جاذبة للاستثمار يتطلب منظومة متكاملة من الأنظمة والتعليمات الواضحة والشفافة، وضمان استقرارها وعدم تعديلها بصورة مفاجئة، إضافة إلى بناء قدرات الكوادر البشرية، ورقمنة الإجراءات الحكومية، وتطوير البنية التحتية والخدمات الأساسية، وإعداد دراسات جدوى أولية وحزم استثمارية واضحة تقلل من المخاطر التي قد تواجه المستثمرين.
تمكين البلديات ماليا
بدوره، قال الخبير الاقتصادي منير دية إن البلديات لا تضيف قيمة حقيقية للاقتصاد الوطني بمجرد وجودها، وإنما عندما تمتلك صلاحيات مالية وقدرة إنتاجية تمكنها من تحويل الموارد المحلية إلى مشاريع استثمارية تخلق فرص عمل وتعزز النمو، مبيناً أن استمرار اعتمادها على التمويل المركزي يحولها إلى جهات إنفاق أكثر من كونها محركات للتنمية.
وأضاف أن مشروع القانون يعالج جانباً من المعضلة المالية التي تعانيها البلديات نتيجة طبيعة دورها الإنفاقي، إذ يتضمن أدوات من شأنها تعزيز الاستقرار المالي، أبرزها تخصيص 50 % من حصيلة الرسوم والضرائب على المشتقات النفطية، أو ما يعادل 3 % من الموازنة العامة. وأشار إلى أن هذه الخطوة ستدعم قدرة البلديات على تنفيذ المشاريع الرأسمالية، لكنها تحتاج إلى أن تترافق مع توسيع الإيرادات الذاتية وتعزيز الاستثمار المحلي لضمان تحقيق أثر اقتصادي مستدام.
وأكد دية أن المشاريع الاستثمارية البلدية تمثل الركيزة الأساسية للدور الاقتصادي الذي يستهدفه القانون، إذ تسهم في خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وتنشيط الطلب على السلع والخدمات، وتحفيز استثمارات القطاع الخاص.
ولفت إلى أن كل دينار ينفق في مشاريع محلية منتجة يمكن أن يولد أثراً اقتصادياً مضاعفاً، فضلاً عن أن اللامركزية الفاعلة والحوكمة الرشيدة تسهمان في رفع كفاءة الإنفاق العام، وخفض كلفة تقديم بعض الخدمات، وتعزيز كفاءة التنمية المحلية. الغد



















































