الفتنة خدمة لأعداء الأردن
ليست الكرك مجرد خبر عاجل على شاشات التلفزة، وليست الرصاصات التي أُطلقت اليوم الجمعة خلال مراسم تشييع في محيط كنيسة حمود حادثة يمكن أن تمرّ كأنها تفصيل عابر. إنها مأساة إنسانية موجعة، واعتداء على حق الناس في الحياة والأمان، وجرح يصيب المجتمع الأردني كله، بكل مكوناته ومناطقه وانتماءاته.
إن إدانة ما حدث لا تحتاج إلى تردد أو انتقاء؛ فالقتل مرفوض أياً كانت دوافعه، والعنف لا يصبح مقبولاً تحت أي ذريعة، ولا يمكن أن يكون وسيلة لحل خلاف أو التعبير عن غضب أو فرض موقف. وحين تمتد يد السلاح إلى مشيعين في لحظة وداع وحزن، فإنها لا تستهدف أفراداً فحسب، بل تضرب شعور المجتمع بالأمان، وتستدعي أسئلة جدية عن دوافع الجريمة والجهات التي تقف وراءها.
وفي انتظار ما تسمح الجهات المختصة بإعلانه، لا بد من الفصل بين الحق في طرح الأسئلة وبين إطلاق الاتهامات. فالمجتمع الأردني من حقه أن يعرف الحقيقة، لكن الحقيقة لا تُبنى على التخمين، ولا على تداول روايات مجهولة المصدر، بل على الأدلة والتحقيق المهني والقضاء. كما أن احترام الإجراءات القانونية واجب، ولا سيما في ظل إعلان حظر النشر في القضية التحقيقية.
سياسياً، تضع الحادثة أمام الدولة ومؤسساتها مسؤولية واضحة: حماية المواطنين، وكشف ملابسات الجريمة، ومحاسبة المتورطين وفق القانون، وإطلاع الرأي العام على المعلومات التي يجوز نشرها بشفافية وفي الوقت المناسب. فالأمن لا يُقاس فقط بسرعة الاستجابة بعد وقوع الجريمة، بل أيضاً بقدرة المؤسسات على الوقاية، وتعزيز الثقة، وترسيخ سيادة القانون على الجميع بلا استثناء.
أما البعد الخارجي، فلا يصح تجاهله بوصفه سؤالاً استراتيجياً، ولا يصح في المقابل تحويله إلى اتهام جاهز. فالمنطقة تعيش صراعاً مفتوحاً، وتواجه دولها محاولات ضغط وتنافساً على النفوذ، فيما تسعى إسرائيل، عبر سياساتها وممارساتها في الأراضي الفلسطينية، إلى إعادة تشكيل الوقائع الأمنية والسياسية بما يخدم مصالحها. ومن هنا قد يطرح محللون سؤالاً مشروعاً: هل يمكن أن تستفيد أطراف خارجية من إرباك الأردن أو إثارة الانقسام داخله؟ وهل يجدر بالمحققين فحص أي خيوط أو صلات خارجية إذا ظهرت أدلة تستدعي ذلك؟
لكن السؤال عن احتمال وجود يد للاحتلال الإسرائيلي أو لأي جهة خارجية لا يعني أن هذه اليد موجودة بالفعل في حادثة الكرك. وحتى الآن، لا تتوافر في المعلومات المنشورة أدلة موثوقة تثبت تورط إسرائيل أو جهة خارجية في الهجوم. لذلك فإن أي استنتاج من هذا النوع يجب أن يبقى في إطار الفرضية التي لا تُحسم إلا بالأدلة، لا في صيغة خبر أو اتهام. إن قوة الموقف الوطني لا تأتي من تسمية خصم قبل التحقق، بل من القدرة على كشف الحقيقة مهما كانت، ومحاسبة كل من يثبت تورطه، أياً كان انتماؤه أو موقعه.
والأهم أن أي جهة تسعى إلى ضرب الأردن، إن وُجدت، قد تجد في الانقسام الاجتماعي فرصة لتحقيق أهدافها؛ فإثارة الشك بين المواطنين، أو تحويل الجريمة إلى مواجهة بين مكونات المجتمع، يخدم من يريد إضعاف الثقة الداخلية. ولهذا فإن رفض الفتنة ليس دفاعاً عن طرف على حساب آخر، بل دفاع عن حق الأردنيين جميعاً في الأمن والكرامة، وعن دولة لا يُسمح فيها للعنف بأن يفرض قواعده.
اجتماعياً، فإن أخطر ما قد يلي الجريمة هو أن تتحول الصدمة إلى خوف متبادل، أو أن تُستغل لاستهداف جماعة أو منطقة أو فئة دينية. الأردن ليس مجموعة جزر منفصلة؛ إنه مجتمع تشكّل عبر تاريخ طويل من التعايش والعلاقات والمصالح المشتركة. وأي محاولة لزرع الكراهية بين أبنائه تسيء إلى الضحايا وتضر بالمجتمع كله، وتمنح العنف مساحة إضافية للانتشار.
وللإعلام دور حاسم في هذه اللحظة. فالمهنية تعني التحقق قبل النشر، والتمييز بين المعلومة والشائعة، واحترام كرامة الضحايا وأسرهم، والامتناع عن نشر تفاصيل محظورة أو غير موثوقة. كما تعني ألا تتحول المنصات الرقمية إلى ساحات للتحريض أو المحاكمات المسبقة، بل إلى مساحة للمعلومات المؤكدة والمساءلة المسؤولة، ضمن القانون.
ولا يجوز أن تقف الاستجابة عند الملاحقة الأمنية وحدها، على أهميتها. فمواجهة العنف تحتاج إلى الوقاية، وتعزيز ثقافة الحوار، والتعامل الجاد مع خطاب الكراهية، وتأكيد أن القانون هو المرجعية الوحيدة للمحاسبة. كما تحتاج إلى خطاب رسمي واضح يطمئن المواطنين، وإلى شفافية مسؤولة لا تضر بالتحقيق ولا تترك المجال للشائعات كي تملأ فراغ المعلومات.
الكرك اليوم تستحق التضامن لا المزايدة، والتعاطف لا استغلال الألم، والحقيقة لا التخمين. وأسر الضحايا تستحق المواساة والاحترام، والمصابون يستحقون الرعاية، والمجتمع الأردني يستحق أن يعرف ما يمكن إعلانه من حقائق وأن يرى عدالة لا تستثني أحداً.
إن الرد الأقوى على الرصاص ليس برصاص آخر، ولا على الجريمة بإشاعة أو تحريض، بل بالحقيقة والعدالة وسيادة القانون ووحدة المجتمع. وإذا أظهرت التحقيقات وجود تخطيط أو دعم خارجي، فعلى الجهات المختصة كشفه بالأدلة ومحاسبة المسؤولين عنه؛ وإذا أثبتت خلاف ذلك، فيجب احترام الحقيقة كما هي، لا كما يرغب البعض أن تكون.
من الكرك، يجب أن تصل رسالة واضحة إلى كل الأردن: دم الإنسان ليس تفصيلاً، وأمن الناس ليس امتيازاً، والتعايش ليس مجاملة عابرة. العدالة للضحايا، والمحاسبة للمسؤولين، والحماية للجميع؛ أما العنف والفتنة، أياً كان مصدرهما، فمرفوضان بلا استثناء. فالأردن أقوى حين يحمي وحدته، ويتمسك بالقانون، ويرفض أن يتحول الألم إلى انقسام أو أن تصبح الشائعة بديلاً عن الحقيقة.

















































