عمّان تختنق .. المخرج "خلية أزمة" شمولية لإنعاش منظومة السير وأعصاب المواطن
* آن أوان تعبئة وطنية على مستوى رئاسة الحكومة بمشاركة جميع القطاعات
اكتظاظ شوارع عمان لم يعد "مشكلة مرورية" عابرة؛ بل أزمة وطن تستنزف وقت المجتمع وماله وتُرهق أعصابه، كما تُكبّد الاقتصاد خسائر صامتة بمئات الملايين سنوياً. الحلول المُجزأة بالتقسيط لم تعد تجدي. ورغم الجهد الخارق لفرسان السير، يضطرون احيانا إلى الإغلاقات الجزئية على أكتاف الجسور ومداخل الدواوير ما يحمل أضرارا جانبية تفضي إلى ترحيل الأزمات في عاصمتنا، التي تعجّ بمليون ومائتي ألف مركبة.
نحن أمام صُداع يومي لا ينفع معه تسكين الألم، بل جراحة في العمق. غُرف العمليات المشتركة "من خلف الشاشات" لم تعد تكفي لفكفكة عُقد المرور في النقاط الساخنة، في غياب استراتيجية وطنية شاملة على مستوى رئاسة الحكومة ومشاركة القطاعين العام والخاص.
يُنتظر من الخلية المقترحة برئاسة جعفر حسان – الذي أثبت براغماتية عالية في حلحلة عُقد بيرقراطية الإدارة- اجتراح حُزمة حلول ومخارج حيوية قبل "أزمة الصيف" وعودة المغتربين وسياحة الأشقاء من دول الخليج. ويعوّل العمانّيون أيضا على وزيري الداخلية مازن الفراية، المنهمك ميدانياً في حلحلة العُقد الأمنية والحياتية، والنقل نضال قطامين، الخبير في استراتيجيات الطرق وتخطيط المدن. كما يعوّلون على براغماتية أمين عمان يوسف الشواربة وسائر الشركاء الاستراتيجيين.
المطلوب قرار مشتركة؛ خطة صارمة، تنفيذ فوري.
كسر تزامن الاختناق
وزّعوا ساعة الذروة. فلا يُعقل أن يبدأ 80 % من سكّان عمان أعمالهم في الوقت ذاته. يمكن اعتماد دوامٍ مرنٍ، واختيار أوقات دوام متفاوتة بفارق 30 إلى 45 دقيقة بين كل شريحة، لكن بعد استمزاج آراء العاملين وأرباب العمل الكترونياً في جميع القطاعات. من شأن فتح هذا المسار تقليص كثافة الذروة بواقع الثلث، بالاستناد إلى تجارب دول أخرى.
تنبيهات إذاعية
عواجل عبر تطبيقات مختصّة عن حال الطرق ستلعب دوراً حيوياً أيضا في تنبيه السائقين إلى فخاخ الازدحامات المرورية، خصوصاً أثناء الذروة وعند وقوع حوادث.
الذكاء الاصطناعي
آن أوان برمجة الإشارات الضوئية بالذكاء الاصطناعي بحيث تتكيّف لحظياً، وفق كثافة المرور على كل مسرب وتقاطع. يُفترض أن يتصدر هذا المخرج أولويات أمانة عمّان، التي تخصّص ملايين الدنانير لكاميرات السرعة الزائدة ومخالفات السير، فضلا عن رصف الشوارع بمطبّات و"طابات صُفر"، مؤذية للمركبات. في ذات السياق، يمكن منح السائقين على يمين الإشارات الضوئية، مرونة الانعطاف بحذر على إيقاع ضوء أصفر متقطع. يوازي ذلك، تفعيل رقابة مشدّدة لمنع الوقوف على أكواع الطرق ومداخل الإشارات الضوئية- والاصطفافات المزدوجة.
علينا أيضا إعادة رسم اتجاهات بعض الطرق، إعادة دراسة مواقع لوحات "ممنوع المرور" واستغلال طرق فرعية غير مفعّلة لإبعاد كثافة السير عن الإشارات الضوئية المختنقة. مثال ذلك السير القادم من صويلح قرب مؤسسة المواصفات والمقاييس. فمنع الانعطاف إلى الشارع الفرعي الداخلي المحاذي لتلك المؤسسة، رغم اتساعه لاستيعاب السير في الاتجاهين، يدفع عشرات المركبات صوب شارع المدينة الطبّية، فتختنق الإشارتان الضوئيتان وتتداخلان. ماذا عن الوتر المعطًّل على كتف الميرديان سابقاً؛ هذا الفندق المغلق منذ سنوات؟ لماذا لا يُعاد فتح هذا الممر باتجاه الشميساني لتخفيف كثافة السير بين دوار الداخلية وتقاطع الشميساني؟ وهناك العديد من هذه الأمثلة الملّحة، المفترض أن تخفّف الشلّل المروري.
من إدارة الأزمة إلى كي الجُرح المفتوح
يكمن ذلك في تشكيل خلية أزمة موسعة وغرف قيادة وسيطرة بصلاحيات تنفيذية كاملة، على مستوى رئاسة الحكومة؛ بحيث تجمع أمانة عمّان، إدارة السير، الوزارات ذات الصلة، هيئة تنظيم النقل البري إلى جانب ممثلين عن القطاع الخاص والنقابات.
حجم الهدر وحرق الأعصاب
نزف الموارد، الجهد والوقت تهدر مقدرّات الوطن. الأرقام صادمة. لقياس عمق الأزمة، يخسر العمانيّون وحدهم قرابة مليوني ساعة يومياً على الطرقات، بحساب تمدّد رحلات مليون و250 ألف مركبة من 15 دقيقة – مثلا في الأحوال الطبيعية - إلى ساعتين وسط الأزمات شبه الدائمة. بلغة الوقود، كل محرك يعمل ساعة إضافية
يُترجم إلى خسارة مليوني لتر وقود يومياً، في عمان وحدها.
أضف إلى ذلك كلف الصيانة، زمن العمل الضائع، التلوث والإنتاجية المفقودة. فنحن أمام نزيف اقتصادي يلامس نصف مليار دينار سنوياً. وينسحب ذلك جزئياً على سائر المحافظات.
تجارب دول أخرى
حين أدخلت لندن رسوم اكتظاظ (Congestion Charge) عام 2003، انخفض عدد السيارات في وسط المدينة بواقع 18 % خلال ساعات الدوام الرسمي. وأدّى تحول 10 % من رحلات وسط لندن الآلية إلى المشي، ركوب الدراجات والمواصلات العامة إلى توفير قرابة 50 مليون لتر بنزين سنوياً؛ ما يعادل 120 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون (CO2).
في دبي، أسهم الدوام المرن والعمل عن بُعد في خفض الذروة الصباحية 30 %، حين قرّرت الشركات تشغيل واحد من كل خمسة موظفين عن بُعد. كما نجحت منظومة الطرق السريعة في تخفيف الازدحام على الطرق الرئيسة بواقع الثلث.
وصول شبكات باص التردّد السريع إلى نقاط اختناق على امتداد عمّان يسهّل قرارات منع السير في هذه المناطق وحصره بالمشاة.
يكفينا استراتيجيات ودراسات على الرفوف. ما نحتاجه اليوم قرار سياسي شُجاع لفك الاختناق المُزمن، وقف نزف الموارد، هدر الوقت وحرق الأعصاب بدل الوقود.


















































