الدبلوماسية الاقتصادية .. رصيد سياسي يبحث عن عائد استثماري
الدعوة لتفعيل السفارات وتوسيع الحضور بالأسواق غير التقليدية
راكم الأردن على مدار العقود الماضية رصيدا مهما من الحضور والسمعة على الساحة الدولية، مكّنه من بناء شبكة واسعة من العلاقات والشراكات مع قوى اقتصادية فاعلة.
ومع تسارع التحولات الاقتصادية عالميا، تبرز الحاجة إلى توظيف هذا الرصيد ضمن إطار دبلوماسية اقتصادية أكثر فاعلية، قادرة على الترويج للفرص الاستثمارية واستقطاب شراكات نوعية تدعم النمو.
ويؤكد خبراء اقتصاديون أن الدبلوماسية الاقتصادية تمثل أداة محورية لبناء جسور التواصل مع الأسواق الخارجية، وتعزيز تدفقات الاستثمار الأجنبي، وفتح آفاق جديدة أمام الصادرات الوطنية، بما ينعكس إيجابا على معدلات النمو وتوليد فرص العمل.
وفي ظل التحديات الجيوسياسية، شدد هؤلاء في تصريحات صحفية على ضرورة تفعيل دور المؤسسات الرسمية، وفي مقدمتها وزارات الخارجية والاستثمار والصناعة والتجارة، إلى جانب السفارات والبعثات الدبلوماسية، لتتحول إلى منصات اقتصادية نشطة تُعنى بتعميق الشراكات الدولية والترويج للفرص الأردنية، لا سيما في الأسواق التي ما يزال حضور المملكة فيها محدودا.
ورغم التقدم الذي أحرزه الأردن خلال السنوات الأخيرة، يرى الخبراء أن حضوره ما يزال دون المستوى المطلوب في عدد من التكتلات الاقتصادية الكبرى، خصوصا في الأسواق الإفريقية والآسيوية، بما فيها الصين واليابان وكوريا الجنوبية ودول آسيا الوسطى، ما يستدعي تحركا أكثر ديناميكية مدعوما برفع كفاءة الكوادر الدبلوماسية، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، وتوظيف التكنولوجيا في الترويج الاستثماري، إلى جانب تكثيف المشاركة في المعارض والفعاليات الدولية.
مؤشرات إيجابية
أظهرت بيانات البنك المركزي الأردني نموا لافتا في الاستثمار الأجنبي المباشر خلال الأرباع الثلاثة الأولى من العام الحالي، إذ بلغ 1.525 مليار دولار، بزيادة نسبتها 27.7 % مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2024.
واستحوذت الاستثمارات العربية على 62 % من إجمالي التدفقات، ما يعكس متانة الروابط الاقتصادية والثقة الإقليمية بالسوق الأردني.
وفي التجارة الخارجية، ارتفعت قيمة الصادرات الوطنية خلال الشهرين الأولين من عام 2026 بنسبة 3 % لتصل إلى 1.35 مليار دينار، في حين انخفضت قيمة المعاد تصديره بنسبة 12.6 % لتبلغ 361 مليون دينار، وفق بيانات دائرة الإحصاءات العامة.
وعلى صعيد الشراكات، وقع الأردن منذ بداية العام اتفاقيات اقتصادية عدة، أبرزها مشروع سكة حديد ميناء العقبة باستثمار أردني–إماراتي يُقدّر بنحو 2.3 مليار دولار، إلى جانب اتفاقيات تمويل ومنح لمشروع الناقل الوطني للمياه بقيمة تقارب 233 مليون دولار بدعم من الولايات المتحدة وألمانيا والمملكة المتحدة.
كما تم توقيع 10 مذكرات تفاهم مع سورية شملت قطاعات متعددة، غالبيتها اقتصادية.
جاهزية محلية.. شرط للنفاذ إلى الأسواق
أكد رئيس غرفة التجارة الأوروبية في الأردن محمد الصمادي أن الدبلوماسية الاقتصادية باتت أداة إستراتيجية لتعزيز حضور الاقتصاد الوطني خارجيا، مشيرا إلى أنها لم تعد تقتصر على الدور التمثيلي، بل تحولت إلى منصة لفتح الأسواق وجذب الاستثمارات وربط الاقتصاد المحلي بسلاسل القيمة العالمية.
وأضاف أن الأردن يمتلك مقومات قوية، تشمل شبكة علاقات دولية واسعة واتفاقيات تجارة حرة وموقعا جغرافيا استراتيجيا، إلا أن تعظيم أثر هذه المقومات يتطلب الانتقال إلى نموذج قائم على النتائج، عبر ربط الجهود الدبلوماسية باحتياجات القطاع الصناعي وتعزيز التنسيق مع القطاع الخاص.
وأشار إلى فرصة استفادة الأردن من التحولات في سلاسل التوريد العالمية، خصوصا مع توجه شركات أوروبية لتنويع مصادرها والبحث عن شركاء أكثر استقرارا وقربا جغرافيا.
وفيما يتعلق بالسوق الأوروبية، أوضح أن الاتحاد الأوروبي يمثل شريكا رئيسا يوفر فرصا كبيرة غير مستغلة للصادرات الأردنية، خصوصا في ظل الاتفاقيات التي تمنح المنتجات الأردنية مزايا تنافسية.
وبيّن أن التحدي لا يكمن في القدرة الإنتاجية بقدر ما يرتبط بالامتثال للمعايير الفنية والتنظيمية، مثل الجودة والاستدامة وشهادات المطابقة، مؤكدا أن الاستثمار في هذه الجوانب يمثل مفتاحا لاختراق الأسواق الأوروبية بشكل مستدام.
أداة إستراتيجية في بيئة متغيرة
من جهته، قال الخبير الاقتصادي طارق حجازي إن الدبلوماسية الاقتصادية تلعب دورا محوريا في تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني والترويج للفرص الاستثمارية، مؤكدا أنها أصبحت ضرورة في ظل التحديات الاقتصادية العالمية المتسارعة.
وأشار إلى أن الأردن حقق تقدما ملموسا في هذا المجال، إلا أن تطوير الأدوات والآليات ما يزال مطلوبا لمواكبة المتغيرات، من خلال تعزيز كفاءة الكوادر الدبلوماسية، وتوسيع الشراكات مع القطاع الخاص، وتوظيف التكنولوجيا، وتنظيم الفعاليات الاقتصادية الدولية.
وشدد على أهمية تبني نهج استباقي قائم على تحليل الأسواق العالمية وتحديد الفرص الواعدة، بما يعزز موقع الأردن كمركز إقليمي جاذب.
فجوات في التكتلات الكبرى
بدوره، أكد الخبير الاقتصادي منير دية أن الدبلوماسية الاقتصادية تمثل ركيزة أساسية لدعم الاقتصاد الوطني، من خلال جذب الاستثمارات وتعزيز التبادل التجاري وفتح أسواق جديدة أمام الصادرات.
وأشار إلى أن الأردن ما يزال يعاني من ضعف الحضور في بعض التكتلات الاقتصادية الكبرى، لا سيما في الأسواق الإفريقية والآسيوية، ما يستدعي تحركا أكثر فاعلية لتوسيع الشراكات وتنويع الشركاء التجاريين.
ودعا إلى اعتماد مؤشرات أداء واضحة لعمل السفارات، لقياس أثرها الاقتصادي من حيث الاستثمارات المستقطبة ونمو التبادل التجاري وفتح أسواق جديدة، مؤكدا أن غياب هذه المؤشرات يحد من فعالية الدور الاقتصادي للبعثات الدبلوماسية.
وشدد على أن تفعيل هذا الدور يجب أن يركز على الترويج للأردن كبيئة استثمارية مستقرة وآمنة، وتوسيع شبكة الاتفاقيات التجارية، بما يعزز مرونة الاقتصاد الوطني وقدرته على مواجهة التحديات.













































