آخر الأخبار
ticker معهد اللغات العسكري يحصل على ترخيص رسمي لمزاولة أعمال الترجمة ticker انتشار أميركي متصاعد: حاملات الطائرات تعزز الحصار البحري على إيران ticker لعبة قاليباف في إسلام آباد.. لماذا ترفض إيران الاتفاق الأميركي؟ ticker صراع على الحصص يعطل مفاوضات الحكومة العراقية ticker ضغوط على ترمب لمطالبة "إسرائيل" بوقف "إبادة" القرى اللبنانية ticker صحيفة إسرائيلية: الصين منخرطة خلف كواليس مفاوضات طهران وواشنطن ticker تعويل على "أهلا في الأردن" لاستعادة زخم القطاع السياحي ticker مخطط صهيوني لنشر الفوضى الأمنية بغزة بالتزامن مع العمليات العسكرية ticker سيطرة الإنترنت تخفض المكالمات الخلوية 5% ticker إجراءات حكومية للحد من ارتفاع السلع وبمقدمتها اللحوم ticker إطلاق النار على 3 سفن في مضيق هرمز ticker أثناء توجهها لعملها .. وفاة مدعي عام الجفر بحادث سير "مؤسف" ticker منافسات نهائيات الدورة الرياضية الرابعة والعشرين للمدارس الأردنية (دورة الاستقلال) مستمرة ticker "الطاقات الكامنة للاستثمارات" تقرّ بيانات 2025 ticker البنك الإسلامي الأردني يكرم موظفيه الفائزين بجائزة الموظف المثالي لعام 2025 ticker عمومية "كهرباء إربد" تقر توزيع أرباح نقدية بنسبة 18.66% وتوافق على نتائج 2025 ticker %15 معدل انخفاض المديونية المترتبة على الأفراد والمؤسسات لشركة توزيع الكهرباء ticker إدانة ملاكم أردني وحبسه 10 سنوات ونصف بقضية وفاة شاب ticker الإنفاق الرأسمالي يقفز 60.4% منذ بداية 2026 دعماً للنشاط الاقتصاد ticker مبعوث ترامب يسعى لإشراك إيطاليا بدل إيران بكأس العالم

لعبة قاليباف في إسلام آباد.. لماذا ترفض إيران الاتفاق الأميركي؟

{title}
هوا الأردن -

وقتَ كتابة هذا النص، كانت الجولة الأولى من المفاوضات في إسلام آباد بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران قد وصلت إلى طريق مسدود، بسبب التناقض بين المطالب الأمريكية الإسرائيلية من جهة، والنقاط الإيرانية من جهة أخرى، وكان الحديث جاريًا عن جولة أخرى بين الطرفيْن لم يتفق المسؤولون الإيرانيون على حضورها، ومن ثمَّ أفضى تأجيلها إلى أجل غير معلوم لتمديد واشنطن وقف إطلاق النار أحاديا بدعوى انتظار العرض المقدم من طهران.


كانت العقدة الرئيسية في المفاوضات الأخيرة تتمثل في مطالبة واشنطن طهران بتعليق تخصيب اليورانيوم لمدة 20 عاما، وهو ما رفضته إيران قطعيا، فضلًا عن عروض أخرى تتعلق بنقل مخزون اليورانيوم المخصب إلى الخارج. وعلى إثر ذلك، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب حصار مضيق هرمز، الذي كان قد أُغلق فعليا منذ اليوم الأول للحرب.


غير أن اللافت في هذا السياق تغريدةٌ للسفير الإيراني في باكستان "رضا أميري مقدم" على منصة إكس بتاريخ 12 أبريل/نيسان 2026، وصف فيها المفاوضات الجارية بأنها "عملية" لا "حدث". وهو وصف دقيق يُعبِّر عن توجُّه إستراتيجي إيراني جديد، يعد محصلةُ انتقاداتٍ عديدة طالت أسلوب فريق "روحاني-ظريف" في إدارة المفاوضات التي أفضت إلى اتفاق 2015. ويجري اليوم تحويل تلك الانتقادات إلى تطبيق فعلي؛ إذ إن المفاوضات الراهنة تُمثل من وجهة نظر الإيرانيين مسارًا شاملًا ينبغي إدارته بعناية وببطء إذا لزم الأمر، من أجل تفادي عيوب وثغرات اتفاق جنيف، وهو جوهر تغريدة أميري مقدم، الغامضة والملتبسة.


ديسمبر 2020.. انقلاب على جنيف في طهران


اغتيل العالم النووي الإيراني محسن فخري زاده، الذي يُوصف بأنه "أبو البرنامج النووي الإيراني"، يوم 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2020 بالقرب من طهران. وبعد أقل من شهر، وبينما كانت نتائج الانتخابات الأمريكية قد اتضحت بفوز جوزيف بايدن قبل أن يتسلم منصبه رسميًا، اندلعت داخل البرلمان الإيراني موجة احتجاجات على هذا الاغتيال المنسوب إلى إسرائيل، تزامنت مع استمرار تداعيات انسحاب ترمب في ولايته الأولى من الاتفاق النووي. وتزعَّم تلك الاحتجاجاتِ "تيارُ بيداري" (تيار ثبات الثورة)، ومن أبرز وجوهه حاليًا سعيد جليلي.


كان لهذا التيار من قبل اعتراضاتٌ جوهرية على اتفاق 2015، خلاصتها أن الاتفاق يفتقر إلى ضمانات حقيقية تحول دون انسحاب الطرف الغربي منه في أي وقت، وهو ما تحقق فعلا في عهد إدارة ترمب الأولى (من المهم الإشارة أن سعيد جليلي تولى أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي في عهد حكومة نجاد ما جعله مسؤولا عن المفاوضات النووية في تلك الفترة).


مع اغتيال فخري زاده تجدَّدت تلك الاحتجاجات في البرلمان -الذي كان باقر قاليباف يرأسه آنذاك أيضا- وأفضت إلى إقرار قانون في ديسمبر/كانون الأول 2020، مؤداه العملي الانسحاب التدريجي من الاتفاق النووي؛ إذ نصَّ على أن إيران ملتزمة ببنوده حتى تلك اللحظة، لكن إذا لم تعُد أطراف الاتفاق إلى التزاماتها خلال شهرين، فلن تكون الدولة الإيرانية مُلزَمة بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وستمضي في رفع نسبة التخصيب إلى 20%، وهو ما تحقق فعلا في منشأة فوردو بعد ذلك.

لاحقا، رفعت إيران -استنادًا إلى هذا القانون- نسبة التخصيب إلى 60% للمرة الأولى في تاريخها. ويلفت النظر هُنا أن أعضاء الوفد الإيراني الذي شارك في جولة المفاوضات التي عُقِدَت مؤخرا في إسلام آباد، هم أنفسهم أعضاء البرلمان الإيراني الذي صاغوا مشروع هذا القانون، ما يعني أنهم محملون بإرث الانسحاب الأمريكي السابق، ومسؤولية ضمان ألا يتكرر الأمر في أي اتفاق مستقبلي.


ففي قائمة الوفد الإيراني عضوان برلمانيان هما أبو الفضل عموئي ومحمد نبويان؛ الأول عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان ومساعد رئيسه قاليباف للشؤون الدولية والمتحدث باسم اللجنة، وهو من أعلن هذا القانون. والثاني عضو لجنة الشؤون التشريعية والقانونية، وهو من تولى الصياغة القانونية له، وكلاهما ينتميان إلى "تيار بيداري". وقد صرَّح عموئي عقب إصدار القانون قائلا إنه جاء تكريمًا لشهداء البرنامج النووي مثل فخري زاده، وأداةً لرفع تكلفة العقوبات المفروضة على الغرب.


أفضت هذه الأحداث إلى رفع نسبة التخصيب إلى حد وضعت معه إيران نفسها على عتبة القدرة على تصنيع سلاح نووي، بما يرفع سقف تفاوضها. وكان ذلك من جهة أحد العوامل التي دفعت ترمب إلى توجيه ضربات لمنشآت إيران النووية، وهي عقدة المفاوضات الرئيسية اليوم؛ إذ يتمسَّك الوفد الإيراني بأن القانون المذكور هو مرجعيته التفاوضية، ومن ثمَّ لا تراجع عن الإطار الذي يتيح له استئناف التخصيب متى تنصَّل الطرف الأمريكي من التزاماته، أو امتنع عن الرفع الدائم والنهائي للعقوبات.


أبو الفضل عموئي عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني (الصحافة الإيرانية)
وفي ظل الإغلاق المستجد لمضيق هرمز الذي كشف لإيران عن ورقة نووية جديدة، يُبدي المفاوض الإيراني بعض المرونة في مسألة نقل مخزون اليورانيوم المخصب إلى الخارج، في بلد مثل روسيا، لكنه يشترط ألا يكون التخلي عن البرنامج النووي نهائيا موضوعا للتفاوض، وإن كانت ثمة مرونة ممكنة في مسائل مثل حجم المخزون المخصب، وشروط أجهزة الطرد المركزي، وآليات رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية. في المقابل، يسعى ترمب عبر مبعوثيْه فانس وويتكوف إلى تجنُّب أي التزام مؤسسي دولي يُنهي العقوبات بصورة دائمة ويقطع الطريق على إعادة فرضها.


وسط كل هذا الشد والجذب بين طهران وواشنطن، يبرز نهج إيران الجديد في التفاوض برعاية رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي، وهو نهج يختلف جذريًا عن ذلك الذي أفضى إلى توقيع اتفاقية جنيف قبل 11 سنة برعاية الرئيس الإيراني حينها حسن روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف، الذي كان قد أثار استياء بعض صناع القرار الإيرانيين بمقال كتبه في مجلة فورين أفيرز الأمريكية قبل أسابيع قليلة، لما رأوه فيه من تنازلات غير مُبرَّرة، وركون إلى نمط قديم من التفاوض مع الولايات المتحدة لا يُراعي التحوُّلات التي جَرَت تحت إدارتيْ ترمب على مدار العقد الماضي، وهي تحوُّلات تمخَّض عنها نمط جديد من التفاوض نضج في إسلام آباد برعاية قاليباف وعراقجي.


إلى الشرق دُر!


لا يمكن النظر إلى القانون الذي أقره البرلمان الإيراني في ديسمبر/كانون الأول 2020 على أنه رد فعل ليس أكثر على اغتيال فخري زاده. إذ ينبغي الانتباه إلى أن البرلمان كان في الوقت ذاته يضع اللمسات الأخيرة على اتفاقية الشراكة الإستراتيجية الشاملة لمدة 25 عاما مع الصين، ضمن سياسة عُرفت آنذاك بـ"النظر إلى الشرق".

 

وقد كانت هذه السياسة بدورها نتاجًا لانتقادات طويلة داخل البرلمان، أطلقها الأعضاء أنفسهم الذين أقروا قانون رفع نسبة التخصيب، والمشاركون الآن في وفد المفاوضات مع واشنطن.

وخلاصة تلك الانتقادات أنه لو أن المجهود الدبلوماسي الذي بذله روحاني وظريف -منذ أن كان الأول أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي، وقبل توليه الرئاسة- في مفاوضاتهما مع الولايات المتحدة، قد وُجِّه بالقدر ذاته نحو بناء شراكة إستراتيجية حقيقية مع الصين، لأمكن توظيف تلك الشراكة ورقة ضغط فاعلة في أي مفاوضات مع واشنطن.


"التفكير الإيراني تجاه الصين يدور حول سؤال محوري: كيف يمكن للشراكة مع بكين أن تجعل أي صراع تخوضه واشنطن مع طهران مكلفا للصين أيضًا؟"
ويمكن القول إنه بالتوازي مع إدارة ترمب الأولى ثم إدارة بايدن ثم الإدارة الراهنة، كان التفكير الإيراني تجاه الصين يدور حول سؤال محوري: كيف يمكن للشراكة مع بكين أن تجعل أي صراع تخوضه واشنطن مع طهران مكلفا للصين أيضًا؟ وبذلك يرتفع مستوى أي أزمة مع الولايات المتحدة من أزمة إقليمية إلى أزمة دولية تمس توازن القوى في عالم متعدد الأقطاب. هذا بالضبط ما يمكن أن يُعالج إشكالية ضمانات عدم الانسحاب المتكرر من أي اتفاق مستقبلي في نظر الإيرانيين.


لا تكشف وثيقة اتفاق المبادئ للشراكة الإستراتيجية مع الصين عبر موقع وزارة الخارجية الإيرانية عن تفاصيل كثيرة، إلا أنها تُشير إلى أن الاتفاقية شملت قطاعات عدة، منها التعاون الأمني والعسكري، ونقل التكنولوجيا من الصين إلى إيران لا سيما في مجال أنظمة الملاحة وبخاصة نظام "بايدو" الصيني البديل عن نظام "جي بي إس"، وانخراط إيران في مبادرة الحزام والطريق، ودخول الصين في مشاريع بنية تحتية في قطاعات النفط والغاز والتنقيب عن المعادن، وأبرزها المعادن النادرة التي تزخر بها الأرض الإيرانية.

علاوة على ذلك، تضمَّنت الاتفاقية الربط المالي والمصرفي بين البلدين لمواجهة العقوبات، من خلال النظام الصيني البديل عن نظام "سويفت" (SWIFT) العالمي المعروف بـ "نظام الدفع بين البنوك عبر الحدود" أو "سيبس" (CIPS)، الذي يُعَدُّ نظام التحويلات المالية الأول المرتبط بتجارة النفط، وهو بديل جاد لنظام البترودولار.
 

 

بصورة لا تقل أهمية، سعت طهران عبر هذه الاتفاقية إلى إقامة مناطق حرة مع الصين حول مضيق هرمز، وبالأخص في جزيرة قشم، التي لوَّحت إدارة ترمب مرارًا أثناء الحرب بإمكانية غزوها برًا، إضافة إلى المنطقة الحرة في أروند التي تصل خُرَّمشَهْر بعَبادان، والمنطقة الحرة في كيش، وغيرها.


على الصعيد العسكري، يمكن النظر إلى هذه الحرب على أنها ميدان لاختبار التقنية العسكرية الصينية التي حازتها طهران بفعل هذه الاتفاقية. فقد زوَّدت الصين إيران بمنظومة الرادار "واي إل سي-8 بي" (YLC-8B) مطلع هذا العام ضمن البند العسكري لاتفاقية الشراكة الإستراتيجية؛ وهو رادار مضاد للتخفي يعمل بنطاق "التردُّد بالغ الارتفاع" (UHF) الذي يُمكنه رصد الطائرات الشبحية، ويمكن دمجه مع منظومات الدفاع الجوي الإيرانية القائمة مثل "إس-300″ (S-300) الروسية و"إتش كيو-9" (HQ-9) الصينية التي تشير تقارير لم تؤكد بعد أن إيران تسلمت بعض وحداتها أو في طريقها إلى تسلمها.


وتشير التقارير المتعددة -وإن تفاوتت في تفاصيلها- إلى تضرُّر ما لا يقل عن طائرة واحدة من طراز "إف-35" (F-35) وعدد من الطائرات الأخرى بفعل المضادات الجوية الإيرانية المدعومة برادارات قوية، ما أضفى على الصراع أهمية تتجاوز نطاقه الإقليمي من حيث ما كشفه من إمكانات وقيود التقنية العسكرية الصينية في مواجهة أحدث أسلحة الجو الأمريكية.


"سيبس" على طاولة المفاوضات


كان أهم فصول الحرب بعيدا عن ميادين القتال فصلا ماليا بالأساس. وبعيدا عن ارتفاع أسعار النفط الذي شغل وسائل الإعلام، فإن ما أقلق واشنطن حقا كان التحول المؤقت الذي يحدث في كواليس النظام المالي. ففي يوم 8 أبريل/ نيسان وحده، جرى ضخ حوالي 1.2 تريليون يوانِ صيني (نحو 178.5 مليار دولارِ) للتداول عبر نظام "سيبس" من خلال 42 ألف معاملة، في رقم قياسي غير مسبوق حفَّزته الحرب. وكان ذلك استكمالاً لطفرة حصلت عبر النظام المالي نفسه في مارس/آذار، وهو شهر الحرب الأشد سخونة.


أضف لذلك أنه على مدار 5 أسابيع من الحرب، تمتد منذ منذ 25 فبراير/شباط إلى أواخر مارس/ أذار، انخفضت حيازات المؤسسات الرسمية الأجنبية (البنوك المركزية والحكومات والمؤسسات الدولية) من سندات الخزانة الأمريكية بنحو 82 مليار دولارِ لتصل إلى أدنى مستوى لها منذ عام 2012، وذلك بدفع من دول مستوردة للنفط سارعت لتأمين الدولار في ظل ارتفاع أسعار الطاقة.

وبحسب مصادر مطلعة داخل إيران، كان ملف "سيبس" أحد الملفات الأساسية أثناء التفاوض في إسلام آباد، وهو ما يعضده التصريح المباشر من قاليباف أثناء الأسبوع الرابع للحرب، حين قال عبر تغريدة له على موقع "إكس" إن من يشتري أذونات الخزانة الأمريكية مساهم بشكل مباشر في تمويل الحرب على إيران.


وتُعَد الصين أحد أكبر الدائنين الأجانب للحكومة الأمريكية، وكانت تخوض تلك الحرب الاقتصادية قبل بدء الحرب الفعلية مطلع هذا العام، فقد قلَّصت استثماراتها في السندات الأمريكية إلى نحو 638-694 مليار دولارِ، وهو أدنى رقم لها منذ أزمة 2008. وزادت عمليات بيع الصين مع أسابيع الحرب، مع بقية الصناديق السيادية، ما رفع معدَّل الفائدة على سندات العشر سنوات إلى نحو 4.4%، فيما قفز عائد سندات الثلاثين عامًا إلى قرابة 4.97%.


في هذا السياق، يمكن فهم سبب طلب الصين من إيران الاستجابة لهدنة وقف إطلاق النار، على أن تكون الصين الضامن لاستمرار الهدنة وللمفاوضات في إسلام آباد. واستجابت إيران وأقرَّ الرئيس الأمريكي بذلك قائلًا إن الرئيس الصيني ساعده في فتح مضيق هرمز، وإنه "سيقابله بحضن كبير عندما يلتقيه" قريبًا، في إشارة إلى زيارته المرتقبة إلى العاصمة بكين.


عند تلك اللحظة، كانت الحرب قد وصلت إلى نقطة توازن لصالح بكين، التي تضرَّرت كثيرًا من تعطُّل الإمدادات النفطية عبر إيران والخليج جراء إغلاق هرمز (حتى مع احتياطاتها في هونغ كونغ لستة أشهر)، ومن تعطُّل النقاط الإيرانية للتجارة الحرة في المضيق، لكنها حقَّقت فائدة من حرب فوائد الديون مع واشنطن، بالتزامن مع تزايد الاهتمام بنظام "سيبس".


بهذا، تحقَّق أيضا لإيران ما أرادته منذ سنوات، وهو ألا تؤثر الحرب عليها وحدها، بل تصبح أزمة دولية مرتبطة بتوازنات الولايات المتحدة والصين، ولو بصورة جزئية. وهنا تكمُن النقطة التي جعلت إيران مستعدة للمفاوضات، وهو أن ضمانات التوصُّل لاتفاق هذه المرة يصعُب الانقلاب عليها كما فعلت إدارة ترمب السابقة بالانسحاب من اتفاق فيينا، بل باتت وثيقة الصلة بمعادلات اقتصادية وجيوسياسية تتجاوز إيران وحدها، وترتبط بالصين وببنية العلاقة المالية والاقتصادية بين واشنطن وبكين، ولعل هذا يُفسِّر لنا جزئيا لماذا كانت إسلام آباد دون غيرها، مقرًا للمفاوضات بين واشنطن وطهران، إذ إن علاقاتها وثيقة بالصين وبالولايات المتحدة على حد سواء.

التفاوض الشامل والبطيء


من الملفت للنظر أيضا مشاركة محافظ البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همتي في المفاوضات، وهو الذي كان سفير إيران لدى الصين قبل منصبه الحالي. وأثناء توليه مهام السفير ثم محافظ البنك المركزي، أشرف على الشق الاقتصادي والمالي من الاتفاقية بين إيران والصين، بما في ذلك النظام المالي للتبادل التجاري الذي يتجنَّب العقوبات الأمريكية.


وكان عبد الناصر قد غرَّد على موقع "إكس" نهاية عام 2023، مُعلِّقًا على افتتاح فرع لبنك الصين الصناعي والتجاري في الرياض قائلًا: "لقد مضى على الاتفاقية مع الصين نحو 3 سنوات (وقت الكتابة)، وهي تتضمَّن افتتاح فروع متبادلة بين البنوك الإيرانية والصينية، لكن بدون رفع العقوبات، ستظل تلك الاتفاقيات حبرًا على ورق".


تُلخِّص التغريدة لُب ما يسعى إليه هِمَّتي في تلك المفاوضات، وهو الاستفادة من الأجواء المواتية لرفع العقوبات عن إيران بحيث يتمكَّن النظام من بناء خط ائتماني طويل الأمد مع الصين ثم مع الدول المشاركة في "سيبس".

 

وعبر هذا الخط الائتماني، تُنقَل الأصول الإيرانية المُجمَّدة خارج إيران من نظام السويفت إلى "سيبس"، لئلا تبقى رهينة بنوك وسيطة، فلا تستطيع أمريكا حينها أن تؤثر على التبادل المالي والتجاري لايران حتى وإن أعادت العقوبات أو تنصلت مجددا من الاتفاق.


إضافة إلى ذلك، أشرف هِمَّتي على بناء نظام تجاري للتبادل مع الصين يُدعى "نظام البارتر" (المقايضة)، والقائم على تبادل السلع (خاصة النفط) مقابل بناء مشاريع البنية التحتية المتفق عليها ضمن اتفاقية الـ 25 عاما. وقد مكَّن هذا النظام إيران من النجاة من حرب العملة والمضاربة التي أدت إلى تضخم عملة التومان الإيراني، وأشعلت احتجاجات داخل إيران بداية هذا العام. وعندما بدأت حلحلة الحرب، نتيجة السماح ببيع شحنات النفط الإيراني للصين عبر جزيرة خَرْج، تمَّت عملية البيع وفقًا لهذا النظام. لذا، قد يكون ذلك ثاني مطلب يسعى إليه هِمَّتي، وهو توسيع هذا النظام ليشمل جميع علاقات إيران التجارية.


النظام الثالث لتجاوز العقوبات، الذي أشرف هِمَّتي على تنفيذه أيضًا، هو قناة بنك "كونلون" الصيني، وهي قناة رسمية معتمدة بين إيران والصين تسمح بالتبادل باليوان مقابل الريال الإيراني، لكنها تحتاج إلى احتياطي بنكي مسبق يغطي 6 أشهر.

بعبارة أخرى، في هذا الشق -الأهم من المفاوضات- تسعى إيران إما للعودة إلى نظام السويفت (ولو لفترة مؤقتة)، أو الحصول على الفرصة لتفعيل البنية التحتية المالية والتجارية التي بنتها بعناية للتكيُّف مع انسحاب ترمب من الاتفاق النووي في عهده الأول.


وهنا يجب التوقُّف عند حجم الأموال المتوقع "تحريريها" من المفاوضات، إذ تمتلك إيران أصولا مجمدة تتجاوز 100 مليار دولارِ حول العالم، أي نحو ثلث ناتجها الإجمالي العام الماضي، وأكثر من صادراتها غير النفطية كاملة، منها 20 مليار دولارِ مجمدة في الصين. وعند تحقيق الخطوة المتوقعة (رفع العقوبات)، سيُفرَج عنها مباشرة عبر الآليات السابقة، إما بتحويلها إلى بنك "كونلون" في هونغ كونغ (الخاضع للعقوبات الأمريكية، وحجم تعامله مع إيران وروسيا يفوق أي خسارة له نتيجة للعقوبات)، أو بطرحها للتداول عبر "سيبس".

 

وقد تحدَّث ترمب عن تلك المليارات العشرين بالتحديد، نافيًا أن يكون قد وافق على الإفراج عنها مقابل تعليق تخصيب اليورانيوم. وكان قاليباف قد أعلن أن الإفراج عن الأصول الإيرانية المُجمَّدة شرط لقبول إيران بالمفاوضات، وأن الإفراج عن 6 مليارات دولاراتِ كحد أدنى دليلٌ على الجدية. وبما أن الصين كانت الضامن الذي جعل إيران تقبل الاتفاق، يمكننا القول إن المفاوضات بدأت بالإفراج عن الأصول المُجمَّدة في الصين، وهو ما سُئل عنه ترمب فأجاب بالنفي.


أبعد من المال


ثمَّة مفتاح أساسي لفهم العقلية الإيرانية في المفاوضات الحالية، هو أن المسألة بالنسبة للمفاوضين الإيرانيين لم تعُد مرتبطة بالجوانب الاقتصادية أو فك الحصار ورفع العقوبات فحسب، بل باتت في نظرهم منظومة متكاملة، تنسجم فيها الأبعاد العسكرية والجيوسياسية والاقتصادية، المرتبطة بالنظام الدولي.


لذا كان من اللافت وجود شخصيتيْن أمنيتيْن ضمن وفد التفاوض، هما علي أكبر أحمديان وإسماعيل أميدي مقدم. والأول عضو مجلس الأمن القومي الإيراني، وممثل المرشد في مجلس الدفاع الأعلى، وكان قائد القوة البحرية في الحرس الثوري ثم مدير مركز الدراسات الإستراتيجية فيه. ومن خلال قيادته الفعلية للبحرية ثم موقعه في المركز، كان أحمديان المشرف والمؤطر للحرب غير المتماثلة في البحر، التي مكَّنت إيران من الإبقاء على مضيق هرمز مغلقا طوال فترة الحرب.


"توقع المفاوضون الإيرانيون أن الأمريكيين سيطلبون مطالب كثيرة في بداية المفاوضات دون منح أي شيء في المقابل، لذا سعوا لحرمانهم من هذه الميزة"
يكشف تتبع تصريحات أحمديان عن المفاوضات عن المنطق ذاته الذي دشَّنه الإيرانيون في السنوات الأخيرة، إذ يرى أن التفاوض مع واشنطن يجب أن يقوم على عدة أسس، أولها أن الأمريكيين سيطلبون مطالب كثيرة في بداية المفاوضات دون منح أي شيء في المقابل، ولذلك يجب حرمانهم من هذه الميزة، وأن يُجبَروا على أن تقديم شيء في البداية قبل أن يبدأ التفاوض، وهو ما يفسر إصرار طهران على بند الإفراج عن الأصول الإيرانية المُجمَّدة في الصين.


وثاني تلك الأسس في نظر أحمديان هو الاعتماد على علاقة مُوسَّعة ومتوازنة مع الصين وبقية القوى الصاعدة. وثالثها أن الولايات المتحدة تظل في نظر طهران قادرة على الانقلاب على أي اتفاق، ومن ثمَّ لا يجب لطهران أن ترسم اعتمادها على إمكانية بقاء أي اتفاق لأكثر من 6 أشهر. ورابعها أن الأهم من مضمون التفاوض نفسه هو مسار التفاوض وبناء القوة، الذي يجعل المفاوضات بين أنداد لا بين قوة عالمية وأخرى تستجدي رفع العقوبات، ولذلك يُكرِّر أحمديان أن أهم ما يجب أن تفاوض عليه إيران هو وقف إطلاق النار في لبنان.


الشخص الثاني المثير للاهتمام، وهو إسماعيل أميدي مقدم، لا يحمل أي صفة تنظيمية في هيكل صنع القرار الرسمي في طهران، بل هو رئيس جامعة الدفاع الأعلى في إيران، وهي أرفع أكاديمية عسكرية للقيادة والأركان، وتُعدُّ مكافئ أكاديمية ناصر في مصر أو ساندهيرست في بريطانيا. وهنا يبرز السؤال: ما الذي يفعله أو يضيفه مقدم في هذا الوفد؟


تكمن الإجابة في اختصاصات ومسؤوليات الجامعة التي يرأسها، إذ تُعدُّ الجامعة المسؤولة عن تنظيم مؤتمر وطني للاقتصاد الدفاعي، الذي عُقدت منه حتى الآن أربع نسخ. وهو مؤتمر يُركِّز على التكامل بين اقتصاديات الدفاع وبقية قطاعات الاقتصاد الوطني، ويبحث خطط الاستخدام المزدوج بين القطاع العسكري والمدني في الصناعات العسكرية الإيرانية، أهمها برنامج الصواريخ الباليستية، ومنظومة المُسيَّرات، والروبوتات القتالية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.


لن تتخلَّى إيران بالطبع عن برنامجها الصاروخي، لكنها ستُجري نوعًا من "التفاوض العكسي" عند النقاش حول هذا الملف، بحيث يكون الخروج من العقوبات -ولو مؤقتًا- فرصتها في تأمين سوق واسعة لصناعتها الدفاعية وتطبيقاتها المدنية. وعلى الأرجح ستمارس طهران مُناورةً في الملف النووي وتخصيب اليورانيوم، مقابل أن تخرج من المفاوضات بإتاحة التشابك مع دول أخرى تطلَّعت إلى نموذجها في التصدي للهجوم الأمريكي الإسرائيلي خلال الحرب الحالية. وهذا بالضبط الدور الذي يمكن أن يُتوقَّع من مقدم أن يلعبه في الوفد الإيراني.


قبل الحرب بفترة بسيطة، في نهاية عام 2025، حاولت إيران عبر تولِّي كوريا الجنوبية رئاسة مجلس الأمن، تمرير قانون دعمته غالبية الدول الأعضاء في المجلس، وبشكل حاسم روسيا والصين بين الدول الخمس الدائمة العضوية؛ يهدف إلى تعطيل آلية "الزناد"، التي سمحت للولايات المتحدة بالانسحاب أحاديًا من الاتفاق النووي وإعادة العقوبات. لكن مشروع القانون واجه الفيتو من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا كما هو مُتوقَّع، فسقط ولم يُفعَّل.


لطالما سَعَت إيران إلى أن يكون أي اتفاق جديد بضمان دولي، وألا يسمح لواشنطن بالانسحاب منه فرديًا، بل أن يتم عبر آلية تُقَرُّ بتصويت جماعي في مجلس الأمن لا يُعطِّلها الفيتو. وقد شرح هذا المطلب وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي في كتابه "قوة التفاوض"، حيث قدَّم في أول الفصول مفهوم التفاوض، ثم انتقل في الفصل السادس إلى ملف التفاوض النووي الذي كان يترأسه في عهد وزير الخارجية جواد ظريف.

في الأخير، وكما نجحت إيران في تحويل الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل عليها إلى مشكلة دولية طالت أطرافًا مختلفة، فإنها ستسعى عبر أي جولة مفاوضات قادمة إلى إعادة تفعيل آلية دولية تضم دول كبرى وغربية تُلزِم واشنطن بالاتفاق وتُصعِّب عليها الانسحاب الأحادي، رُغم أنها تظل تتعامل مع أي اتفاق بوصفه اتفاقًا مؤقتًا. عدا ذلك، وكما جرى بالأمس، فإن إيران لن تشارك في مفاوضات لن تُفضي إلى إلزام واشنطن بآليات واضحة، أو تقوم على الإملاءات المطلقة.


بهذا الشكل، تسعى إيران لوضع نفسها عُقدة أساسية في بنية النظام الدولي، لا مجرد دولة متمرِّدة يُمكن إسقاط نظامها دون أن تتأثر الدول الكبرى أو النظام الاقتصادي العالمي. وبينما تسعى كل من ألمانيا والهند إلى عضوية دائمة في مجلس الأمن إلى جانب الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين، يمكن أن يصب المطلب الإيراني بتعطيل "الزناد الأمريكي" في مصلحة هذه الدول. ويمكن أن تستفيد إيران من أي انفراجة عبر تعاون مُكثَّف مع دول تتقاطع معها في مجالات متعددة، مثل نظام "سيبس"، والتعاون في التكنولوجيا النووية.


المحصلة أن طهران ترى أن لديها فرصة للخروج من هذه الحرب، لا بنظام سياسي متماسك فحسب، أو اتفاق اقتصادي جيد، بل بموقع أفضل في النظام الدولي. وهو ما يُراه الكثير من المحللين الذين يقارنون الفشل الإستراتيجي لبريطانيا في حرب السويس عام 1956، وما نجم عنه من تحوُّل العالم من الاستعمار التقليدي إلى نظام القطبيْن طيلة الحرب الباردة، وبين الحرب الحالية، حيث الفشل الإستراتيجي الأمريكي الإسرائيلي في تسجيل نصر خاطف، وما يُمكن أن ينجم عنه من تغييرات غير متوقعة في قواعد النظام الدولي.-(وكالات)

تابعوا هوا الأردن على